الرئيسية » محليات » تفتح ملف التعليم في الكويت (1): التدريس بين المناهج المستعصية وإرهاب أولياء الأمور

تفتح ملف التعليم في الكويت (1): التدريس بين المناهج المستعصية وإرهاب أولياء الأمور

معاناة الطلبة في الاختبارات مستمرة
معاناة الطلبة في الاختبارات مستمرة

كتبت عزة عثمان:
التعليم أصبح من القضايا المهمة التي تعني كل بيت، ولكنه للأسف في السنوات الماضية أصبح موضوعا رئيسا للشكوى من كافة أطراف العملية التعليمية، لما أصابه من ترهل وتراجع وتدهور.. لهذا رأت «الطليعة» ضرورة فتح ملف التعليم من جميع جوانبه، للوقوف على أهم أسباب هذا التدهور، ووضع الحلول المناسبة، ومن الطبيعي أن يكون المحور الرئيس لهذا الملف هو الطرفان الأساسيان للعملية التعليمية، وهما التلميذ وولي أمره الطرف الأول، أما الطرف الثاني فهو المعلم.. وكانت لنا جولة في أكثر من مدرسة، تخللتها حوارات ودية مع بعض المدرسين والمدرسات، وكذلك أولياء الأمور، ووجدنا أن الشكاوى كثيرة ومتعددة عند الطرفين، حيث يشتكي ولي الأمر من عدة نقاط رئيسة، أهمها صعوبة المناهج وضعف أداء المعلم والإهمال، ومن الغريب أن المعلمين أنفسهم يشتكون أيضا من صعوبة المناهج ومن ضغوط عديدة يواجهونها، حيث يوجد للمعلم الوافد شكوى، وللمعلم شكوى أخرى، وعلى الرغم من معرفة كافة مسؤولي الوزارة بكل نواحي الضعف وتلك الشكاوى من طرفي العملية التعليمية منذ سنوات، بدءاً من أكبر مسؤول لأصغر مسؤول في الوزارة، فإنه لا حياة لمن تنادي، كما يُقال، بل بالعكس، على حد إجماع كافة المتحدثين، حيث يشهد كل عام تدهورا أكثر من العام السابق، وتراجعا وقرارات تخبطية وعشوائية تصدر من دون دراسة، ما يزيد الأمور تعقيدا، ويؤدي إلى تراجع التعليم كثيرا للوراء، وللمزيد مما سبق ذكره دارت تلك الحوارات:

كانت البداية مع بعض أولياء الأمور، والغريب أن كل ولي أمر له شكوى مختلفة وفق المرحلة التعليمية التي يدرس بها أولاده وبناته، وكانت أولى المتحدثات أم عبدالله، وهي ولية أمر لطالبتين، الأولى في العاشر والثانية في الصف الثاني عشر، حيث أكدت صعوبة المناهج بشكل كبير في المرحلة الثانوية، وهذه شكواها الأولى، كما ترى أنها تعلمت ودرست بالجامعة ومستواها العلمي يعد ممتازا مع المناهج التي درستها من قبل، وكانت تناسب طبيعة التلميذ الكويتي.. أما المناهج الحالية، فترى أنها، على حد قولها، «تناسب من يريد أن يصبح ولده نيوتن أو آينشتاين»! وبدأت في تقليب صفحات مادة الفيزياء للصف العاشر، وقالت إن هذا المنهج يناسب علماء وليس طلابا في هذه المرحلة، ووجهت أم عبدالله انتقادا شديدا للمسؤولين بوزارة التربية، حيث تعتب على تخبطهم في صياغة المناهج سنويا، وتغييرها من سيئ لأسوأ، متسائلة: ألا يوجد خبراء مناهج كويتون درسوا في مدارس وجامعات الكويت ويعرفون ما يناسب أبناءنا من مناهج؟ وتمنت أن ينقذوا التعليم قبل فوات الأوان.

عبء كبير

أما أم روان، التي تدرس بنتاها الاثنتان في المرحلة المتوسطة، وكذلك أحد أبنائها، فتقول إنها عاصرت دراسة أخويها الأصغر منها في كافة مراحل التعليم حتى تخرجهما في الجامعة، وكانت تشرف على دراستهما، بحكم أنها كانت تعمل بالتدريس، وكان تعليمهما يسير بكل بساطة، ولا يوجد أي تعقيد، حتى تخرجا في الجامعة، وابتعدت سنوات عن التدريس لانتقالها لعمل آخر، ولكنها فوجئت عندما دخل ابنها وبنتاها المدرسة بتغيير جذري كانت تقرأ عنه في الصحف، وتسمع وتقرأ الشكوى اللامنتهية من أولياء الأمور، ولكنها كانت تعد ذلك مجرد كلام، إلى أن تأكدت من حقيقة كل ما يُقال، عندما دخل أولادها المدارس، ووجدت أن المشاكل تزداد سنة تلو الأخرى بشكل كبير، وترى أن أول ما يواجه ولي الأمر، وخصوصا في مدارس البنين هو الاهمال الشديد من قبل المعلمين، وعدم الحرص على تدريس المادة كما ينبغي.

أما مدارس البنات، كما تقول أم روان، فهناك اهتمام وحرص أكثر على إيصال المعلومة، ولكن المشكلة في المناهج أنها صعبة ومادتها العلمية كثيرة جدا فوق مستوى أي طالب أو طالبة، حتى لو كانوا عباقرة، مستعرضة مادة التربية الإسلامية للصف السابع، وقالت أليس من الصعوبة أن يدرس طالب في الفصل الدراسي الأول خلال الفترتين الأولى والثانية 21، وكل درس لا يقل عن ست صفحات، ومنها دروس ثماني صفحات، ومطلوب من التلميذ حفظها عن ظهر قلب وفترة الدراسة الفعلية لم تتعد ثلاثة أشهر؟! متسائلة: ألا يعد ذلك ظلما على الطالب وعلى من يقوم على تدريسه في البيت؟ مضيفة أن تدريس الأولاد أصبح عبئا كبيرا على كاهل كل ولي أمر، ثم انتقلت للحديث عن مادة العلوم، وقالت إن منهج العلوم، بدءا من المرحلة المتوسطة لنهايتها، صعب جدا، وفوق مستوى فهم واستيعاب الطالب بكثير، ويحتاج لعلماء كي يدرسونه، متسائلة: هل ينتقم المسؤولون من المواطن الكويتي، من خلال مناهج التعليم؟

تفشي العنف

أما أبومحمد، فشكواه ليست من المناهج، كما سبق، لكنه يشتكي من الإهمال والتسيب من المدارس، حيث يدرس أولاده في كافة المراحل، ولكن من الإهمال والتسيب في مدارس البنين، وعدم الاهتمام بالرقابة على الأبناء، وخصوصا في سن المراهقة، ويرى من خلال ما يشتكي منه أبناؤه انتشار سلوكيات سيئة جدا في المدارس، وعنف بين الطلاب بشكل كبير جدا، وإدارة المدرسة غائبة، فقط يحضرون عند شكوى ولي الأمر، ويبدأون في الانتباه أن هناك سلوكا شاذا أو عنفا شديدا بين الطلاب، متسائلا: هل أصبحت مدارسنا تحتاج لإنذار من ولي الأمر للانتباه إلى الطلاب؟

ويقول أبومحمد «أنا لا أشتكي كغيري أبدا من المناهج، ولكن كل ما يهمني أن يكون التعليم تعليما للسلوكيات الجيدة، وليست السيئة»، ويضيف أن ما يزيد مدارسنا سوءا، وخصوصا في مدارس البنين، هو اصطحاب المعلمين لهواتفهم النقالة أثناء الحصة، وردهم على كل المكالمات الواردة، متسائلا: هل أصبح التعليم هزليا لتلك الدرجة؟ وأين إدارات المدارس؟

عدم تكافؤ

بعد أن وضعنا أيدينا على أكثر ما يعانيه ولي الأمر، انتقلنا للطرف الآخر، وهو المعلم، وواجهناه بالشكوى ضدهم من ولي الأمر، فكان لقاؤنا الأول مع إحدى مدرسات المدرسة الثانوية، وهي مدرّسة أولى علوم، فقالت إن لدى ولي الأمر حقا في شكواه من صعوبة المناهج، ونحن كمدرسين أيضا نعاني صعوبتها وتغييرها بشكل مستمر ومتخبّط، وكل مرة يتغيّر فيها المنهج، وخصوصا مواد العلوم، يكون للأسوأ، على الرغم من الشكاوى الكثيرة من تلك المناهج، إضافة إلى أن التغيير المستمر والمتوالي بشكل سنوي للمنهج لا يجعل المعلم يحصل على الخبرة الكافية في المنهج، وبالتالي تدريسه لابد أن يعتريه نوع من الضعف، لأنه يحتاج لدراسة المنهج يوميا، وفي النهاية المعلم أو المعلمة مجرّد خروجه من مدرسته فهو شخص مسؤول عن عائلته ولديه التزامات وغير ملزم بأن يذاكر منهجا بشكل يومي حاله حال التلميذ.

وأضافت أن التفاوت الكبير في الرواتب بين المعلم الوافد والكويتي أيضا يلعب دورا، وترى أن المعلم، بصرف النظر عن جنسيته، لابد أن يأخذ حقه ويشعر بالعدل والمساواة، لأنه أهم عنصر في العملية التعليمية، حتى يستطيع أن يتقن الآداء، وبغير ذلك لن تكون هناك أي نتيجة.

إهانة المدرسين

ومدرسة أخرى وولية أمر في الوقت نفسه ترى أن الإهمال والتسيب في المدارس نتج عن تجرؤ ولي الأمر وتعديه على المعلم، حتى لو كان ابنه أو ابنته على خطـأ، وتقول إنها – كمعلمة – ليس لديها أي استعداد لتلقي أي نوع من الإهانة من أي ولية أمر، كونهن عندما يتم استدعاء ولية أمر لأي مشكلة أدبية أو أخلاقية لا ترى من ولية الأمر إلا الإهانة والشتائم، وخصوصا إذا كانت من أصحاب الواسطات القوية، التي باستطاعتها نقل المعلمة أو المعلم من مدرسته لأي مدرسة أخرى، وانتقلت تلك المعلمة أيضا للشكوى من المناهج، حيث ترى أن مناهج العلوم تعد من أصعب المناهج وأكثرها تعقيدا، والمادة العلمية فيها نوع من الترهل الذي يحتمل أحيانا أكثر من إجابة للسؤال إذا وضعت الاعتبارات العلمية، ولكن عند وضع الأسئلة، فإن التوجيه يعتمد إجابة واحدة فقط، إذا لم يكتبها الطالب لا يأخذ العلامة، على الرغم من أن الإجابات الأخرى صحيحة، والسبب هو عدم الوضوح في بعض النقاط العلمية، ثم انتقلت إلى منهج واحد أرادت أن تضفي عليه نوعا من الخصوصية، وهو منهج الفيزياء للصف العاشر، حيث ترى أنه أصعب وأسوأ منهج على مستوى التاريخ، وتساءلت: لماذا تلك الصعوبة؟ وترى أن منهج الصف العاشر في مواد العلوم عموما يجب أن يكون منهجا خفيفا، لأن الطلاب في هذه المرحلة يحددون اتجاههم في الدراسة.. إما للعلمي وإما للأدبي، وطبعا من ينوي التوجه للأدبي، فمن المؤكد أن مستواه ضعيف في المناهج العلمية، ويجب وضع ذلك في الاعتبار، إضافة إلى صعوبة المادة العلمية، فالامتحانات تأتي من التوجيه صعبة جدا، وكأنهم يفردون عضلاتهم على الطلاب، وكل عام المشكلة نفسها، ويتم إيصال وجهة النظر للموجهين ولا يؤخذ بها، وتأتي النتيجة في الصف العاشر متدنية جدا.

تهميش المعلم

لقاؤنا الأخير كان مع مدرّس من إحدى مدارس البنين، ليرد على الشكاوى وتدني المستوى في مدارس البنين، فيقول إن صعوبة المناهج التي يعانيها الجميع يعرفها كل مسؤول وكل مدرس، لذلك لن يتطرَّق – على حد قوله- كثيرا لها، ولكنه سيناقش تراجع مستوى أداء المعلم في مدارس البنين، ويرى أن معظم من يعمل بهذه المهنة من الكويتيين غير مقتنع بها، ولكنه فقط أتى عن طريق ديوان الخدمة المدنية، ويشعر بأنها مهنة شاقة ومتعبة، لذلك لا يفكر في إرهاق نفسه، حاله حال أي موظف في الدولة.. وبالنسبة للمعلم الوافد، فهو يعاني أيضا إرهابا جديدا من نوعه في الكويت، وهو سطوة التلميذ وولي أمره، ما يجعله – كما يقولون – «يمشي جنب الحيط»، خوفا من الضرب والإهانة، ويرى أن مشكلة الإهمال نتجت عن تفشي الواسطة، وعن عدم تقبل ولي الأمر لكلمة أن ولده مخطئ، بل بالعكس، ولي الأمر في معظم المشاكل والشكاوى يرى أن المخطئ الأول هو المعلم، وهو من قصَّر، وهو الذي يستحق العقاب، ما جعل العملية تسير بلا مبالاة، وكل معلم يرى الخطأ وكأنه لم يره، إضافة إلى أنه مع انتشار العولمة والإنترنت والانفتاح الكبير، أصبح الأولاد يحتاجون لرقابة كبيرة في المنزل، وإذا كانت تلك الرقابة غير موجودة، فدور المدرسة لن يكون له نتيجة، وتبعا لذلك ازدادت السلوكيات الخاطئة والتجاوزات الأدبية من الطلاب، وأصبحت كل مدرسة تحتاج في كل صف لمختص اجتماعي، وليس مختصا واحدا أو اثنين لمدرسة قوامها ألف أو ثمانمائة تلميذ، ويرى أيضا أن تراجع الأداء في المستوى التعليمي سببه تهميش المعلم بشكل كبير «فحتى الامتحانات تأتي من التوجيه، على الرغم من أن المعلم يفترض أن يكون له دور في ذلك، ومع ذلك سحبت كافة صلاحيته، وأصبح مجرد آلة لنقل المعلومة، فكيف يمكن له أن يؤدي عمله بإتقان أو يبدع؟!».

Print Friendly, PDF & Email

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *