الرئيسية » سعاد فهد المعجل » سعاد فهد المعجل : طاعون فلورنسا.. وطاعون العرب

سعاد فهد المعجل : طاعون فلورنسا.. وطاعون العرب

سعاد فهد المعجل
سعاد فهد المعجل

وفقاً للمراجع المعتمدة، تقول إحدى النظريات حول أسباب نهضة أوروبا، إن الدمار الذي تسبب به الموت الأسود (الطاعون) في فلورنسا بإيطاليا، والذي أصاب أوروبا بين عامي 1348 – 1350، كان سبباً في تحوُّل نظرة الإيطاليين للعالم من حولهم، حيث ضرب الطاعون إيطاليا بالذات بشكل شديد، وقيل إن الألفة مع الموت جعلت المفكرين يتأملون أكثر في حياتهم على هذه الأرض، بدلاً من الحياة الآخرة والروحانية.. كما قيل إن الطاعون دفع بموجة جديدة من التقوى تجلت في رعاية الأعمال الفنية الدينية.

أما لماذا بدأ عصر النهضة في فلورنسا، بالتحديد، فيقول بعض الباحثين إن الدور الذي قامت به إحدى العائلات الثرية في رعاية وتحفيز الفنون مكّن رجال عظماء، مثل دافنشي ومايكل أنجلو وغيرهما، من تحقيق ما حققوه من تأثير وشهرة، وهو أمر ما كان ليحدث، لو لم يضرب الطاعون فلورنسا، ولو لم تصبح الظروف الثقافية السائدة في ذلك الوقت محفزاً أساسياً.

هل يكرر التاريخ نفسه، كالعادة، فتكون الآلام العربية اليوم محفزة للتغيير وللنهضة، كما كان طاعون فلورنسا نقطة انطلاق عصر النهضة في أوروبا كلها؟

لقد سبق للغرب تقوده الولايات المتحدة أن ادعى عزمه إرساء قواعد التغيير في المنطقة، وذلك بعد أن لامست الآلام العربية حصونه المقدَّسة في الحادي عشر من سبتمبر عام 2001.. ثم ليتكرر المشهد في العاصمة البريطانية عام 2007، لكن التغيير من الخارج والثورة على الأوضاع بالوكالة، أثبتا أنها محاولات زائفة، لأنها تأتي معجونة بنوايا وأهداف ليس في أولوياتها فرض التغيير الحقيقي، إلى أن اشتعلت شرارة الربيع العربي من قلب العاصمة التونسية، فجّرها وأشعلها ألم المستضعفين، ثم لتنطلق في شتى أنحاء العالم العربي.

لقد بدأ فعلا مشوار التغيير، وذلك أولاً بالإجراءات الفوقية التي أزالت أنظمة شبه مخلدة، وبقي الإجراء الأصعب والأطول والأكثر تحديا، الإجراء الذي يغوص في جوهر الألم العربي، فيعري كل مظاهر التخلف والجهل التي تعمّ المجتمعات العربية، بفعل سنوات طويلة من القمع والفساد والاستغلال والظلم، الإجراء الأهم والأصعب هو في الغوص عميقاً لفرض التغيرات الجوهرية في أنظمة التعليم أولاً، والإعلام، والثقافة، والذوق العام، والوطنية، وقيم العمل، والنزاهة وطرق تدريس الدين والعقيدة.

التغيير المطلوب، والذي هو قادم حتماً، سيقود إلى إعادة النظر في الكثير من القوانين المعيبة، والتشريعات التي لا ترتبط بروح العصر والحداثة، وإعادة رسم العلاقة بين الفرد والسلطة والمجتمع بشكل أكثر عدالة ونزاهة.

لقد سبب الطاعون الذي ضرب فلورنسا، كما ذكرت سابقاً، في إحداث ألفة مع الموت غيَّرت نظرة الإيطاليين للعالم بأكمله، والعرب اليوم يموتون بالجملة بطاعون الحروب والعنف والتخلف، فهل يحقق طاعون العرب ما حققه طاعون فلورنسا؟

Print Friendly, PDF & Email

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *