الرئيسية » حبيب السنافي » حبيب السنافي : من تاريخ يهود العراق (1 ـ 3)

حبيب السنافي : من تاريخ يهود العراق (1 ـ 3)

حبيب السنافي
حبيب السنافي

تميَّز التاريخ العراقي الحالي باشتمال مكوناته الاجتماعية على أصحاب ديانات متنوعة، من مسلمين وصابئة ويزيديين ومسيحيين وأعداد نادرة من اليهود لا يكاد يستبين لهم ذكر، مع أن التاريخ العراقي الموغل في القدم لم يخلُ من ذكر وجود اليهود طوال قرون عديدة، كانوا فيه من المواطنين العراقيين المخلصين بوطنيتهم وولائهم لترابه، لكن التعصب الأعمى للدين والطائفية البغيضة أناخا عليهم بحقدهما ووحشيتهما، حتى لم نعد نسمع أو نرى لهم أدنى ذكر في عراق اليوم، فإلى أين ارتحلوا ولم؟

وحتى يكون لحديثنا تاريخ موثق، نرجع إلى مذكرات السائح تكسرا، الذي زار مدينة بغداد عام 1605م، ووصف اليهود بقوله: هناك نحو 200 إلى 300 بيت من اليهود أغلبهم في فقر مدقع، وجميعهم يسكنون في محلة واحدة، ولهم كنيس أو مصلى، ويقومون بشعائرهم بكل حرية.

كما وصف يهود «عانة»، فقال: إن 120 بيتاً من سكانها يهود عرب عيشتهم وسط، يملكون أراضي وبيوتاً كبقية العرب.

وتذكر الوثائق الغربية، أنه في زمان الشاه عباس الثاني عام 1663م، ادعى اليهودي شباتي شوه بأنه المسيح المنتظر، وبعث بإذاعته لكل يهود العالم، ومن ضمنهم يهود فارس، ما أثار حنق الإيرانيين، وفتح باب الاضطهاد عليهم، وقاسى اليهود الأمرين منهم، حتى اضطروا إلى الفرار والهجرة إلى العديد من الدول القريبة، ولاسيما العراق، ومن هذه الهجرة زاد عدد اليهود بشكل ملحوظ في بغداد عاصمة الدولة العباسية.

أما السائح الدانماركي نيبهر، فيصف أحوال يهود العراق 1766م، بقوله: إن في الموصل 150 بيتاً من اليهود يعيشون بحرية تفوق الحرية التي لهم في أوروبا.

ويوضح الرحالة روسو أوائل القرن التاسع عشر، أن اليهود في بغداد يعيشون في محلة واحدة، وأن أحوالهم السياسية والعمرانية منحطة، أما أبناء قومهم في البصرة، فبعضهم يتعاطى التجارة وأعمال الصيرفة.
أما السائح اليهودي بنيامين الثاني، الذي زار العراق في القرن الماضي، فيقدر عدد بيوت اليهود في العراق بـ 3 آلاف بيت، وينشطون في التجارة والصناعة، ويعيشون برخاء ورغد، وكان لهم قضاء خاص بهم يحتكمون إليه، ويتكون من ثلاثة ربانيين يترأسهم رئيس الحاخامين (حاخام باشي)، المعين من قبل الباب العالي لهذا المنصب، وهو يمثل الجماعة أمام الحكومة، ويجمع لها الجزية من شعبه.

ويتابع بنيامين الثاني بأن لليهود مدرسة دينية فيها 60 طالباً، وعندهم تسعة كنس في بغداد، ويقدر يهود الموصل بقوله: فيها 450 بيتاً يتعاطون التجارة وكنيسهم فسيح، ولديهم مدرسة دينية واحدة، أما البصرة ففيها 50 بيتاً من اليهود.

ورغم وجود اليهود في المدن الرئيسة، فإن مدناً أخرى استقروا فيها، مثل الحلة والناصرية والعمارة والديوانية والكفل وأربيل والسليمانية وتكريت، ما يدل على اختلاطهم واندماجهم في المجتمع العراقي، واعتبارهم مكوناً أساسياً لخليط الفسيفساء الاجتماعي المتعدد عرقياً ومذهبياً.

ومن الأهمية ذكر فرمان الإصلاحات «خط همايون»، الذي أصدره السلطان عبدالمجيد عام 1856م، الذي أرسى حقوق النصارى واليهود، وإدارتهم لشؤونهم الشخصية وسلطة رؤسائهم الدينية ومساواتهم في الحقوق العامة مع جميع سكان البلاد، وحريتهم بالتدين والتمذهب بأي دين أو مذهب كان.

وفي ذلك العام نفسه – 1856م- أسست جمعية الاتحاد الإسرائيلي مدرسة راقية في بغداد، أدخلت فيها تعليم اللغات المختلفة، والتاريخ والجغرافيا والطبيعيات.. واستقدم لها المعلمون من باريس ولندن للتدريس فيها، وأنشأت مدرسة مستقلة لتهذيب البنات، وتبع ذلك إنشاء العديد من المدارس اليهودية في البصرة والحلة والموصل والعمارة، وكانت عندهم أعداد وفيرة من الكتاتيب تدرس فيها اللغة العبرية والكتاب المقدس والحساب.

Print Friendly, PDF & Email

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *