الرئيسية » قضايا وآراء » ماجد الشيخ : عنف التوحش ومهمة وأد المستقبل

ماجد الشيخ : عنف التوحش ومهمة وأد المستقبل

ماجد الشيخ
ماجد الشيخ

بين الأفكار المطلقة، وتلك النسبية، بون شاسع من عالم يحنو إلى الموت، وذلك العالم الزاخر بالحياة. ولا وشائج بينهما في سلوك دروب ومسارات استعمال العنف، كركيزة سلطوية، هي في المحصلة ليست واحدة من اختصاصات الدولة، بل صارت الأبرز في الانتماء إلى اختصاصات قوى أهلية ودينية وحزبية في قيامها على قاعدة من التوحش، سوف يقل نظيرها عبر التاريخ، كونها بزت وتبز كل الدول والزعامات «المتألهة» في سلوك ضروب من الوحشية، تقارب النازية والصهيونية والفاشية، وأضرابهم ممن امتهنوا مسلكيات بول بوت في كمبوديا، وصدام حسين وأضرابه من بعثيي سوريا والعراق، وورثة كيم إيل سونغ في كوريا الشمالية، وغيرهم كثر من استبداديي القرن الواحد والعشرين، وجميعهم حوَّلوا عنف الدولة إلى عنف وحشي مضاف، تمارسه الميليشيات إلى جانب قوى الأمن الرسمية، من جيش وشرطة واستخبارات وشبيحة وبلطجية ومرتزقة، مستجلبين من الخارج، لم ينسوا ما يعدونه «رباطهم المقدس» بالطائفة أو المذهب، للقيام بوظيفة الدفاع عن اعتبارات «الأمن المذهبي» لنظام أو أنظمة تزداد شراسة ووحشية، في مواجهة شراسة ووحشية الطرف الآخر، من ميليشيات تسلط الاستبداد الديني، المتنامية في فضاءات الفوضى الهدامة، وهي تقف مواقف عدائية من الدولة والمجتمع والشعب والوطن.

إن ازدراء الوطنيات القائمة، مهما تكن ملاحظاتنا عليها، معادل موضوعي وذاتي لخيانتها، واستبدالها بيوتوبيا دينية لن تتحقق، فما يجري تداوله من أفكار أيديولوجية مطلقة، لا يساعد في فهمها أو استيعابها، لا من قبل الخاصة ولا من قبل العامة، علاوة على انتمائها لقرون خلت، بينها وبين قرننا الحالي جبال وبحار من النقل المجازي، والوهم باستعادة «فردوس الأسلاف» الذين مضوا إلى غير رجعة، وسجلوا خبراتهم وتجاربهم وأفهامهم لتأويلات وتقويلات، هي بالتأكيد تختلف باختلاف الأزمنة والأمكنة.

فلماذا يراد لنا عبادة طواطمهم، وبالقوة المتوحشة والعارية؟ وكأن لا حياة إلا في الماضي السحيق، نستمد منه طاقة وحيوية أيامنا ومستقبلنا، فيما هم يمارسون المقتلة المتوحشة، وكأن لهم الحق في سلب واغتصاب وسبي وقصف أعمار الناس، وفق فتاوى ظلامية لا تقيم وزنا للإنسان أو لحياته، بقدر ما يقيمون الوزن كله للفكرة المطلقة ولأيديولوجياها (الأصولية) المفرطة في العنف الوحشي، ويريدون قسر الواقع على تقليدها وتلبسها و«الإيمان» بها إلى حد استبدالها بالدين، وتديين الناس لأنفسهم، وفقا لما اشتهت وتشتهي تلك الأيديولوجيا التي تفرعت من الدين وابتعدت عنه، حتى صارت الفكرة النسبية وحتى المثبتة علميا، واحدة من ألد أعداء أصحاب التدين الخاص، الذين يعتقدون بأنهم «سيف استمرار أو العودة إلى الديني»، وبالتالي مشروع لهم كل ما يرتكبونه من جرائم وحشية بحق الناس لاستنساخ أنفسهم صورة عنهم.

ما يجري اليوم من ارتكابات باسم الدين، يعيدنا إلى «أسطورة أصل»، تفاضل بين امتلاك الماضي وتراثه وأسره لنا، وبين امتلاكنا نحن لهذا الماضي وترويضه، وإسهامه بصنع المستقبل الخلاق لبشر خلاقين ومبدعين في مجالاتهم، بينما في الحالة الأولى، فإن هيمنة الماضي على حياة البشر، لم ولن تنتج سوى إعاقات وعطالات مشهودة، هي جوهر التخلف على كل الأصعدة.

Print Friendly, PDF & Email

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *