الرئيسية » قضايا وآراء » ناصر العطار : ذكريات أحمد الخطيب.. ما فائدتها؟

ناصر العطار : ذكريات أحمد الخطيب.. ما فائدتها؟

ناصر العطار
ناصر العطار

مهما بلغت قدرة أي قلم على تضخيم الشأن أو تقليله أو تشويه المكانة أو تلميعها، فإن هذه القدرة سيكشفها الواقع، ويلقي عليها مزيداً من الضوء، كما أن الإنصاف في الكتابة لا يتطلب مبالغة في التأييد، واعتقاداً في التطابق، أو فجوراً في الخصومة، واستهدافاً للذات.

ففي الشأن العام، كل ما سبق ذكره لا ينفع ولا يصمد، فالتاريخ كتاب مفتوح أمام الجميع للقراءة، والحاضر ساحات فسيحة تتسع المساهمة فيه للجميع، فلماذا لا نقرأ قبل أن نساهم، حتى تصل مساهماتنا لمبتغاها أو تقترب منها؟ وخصوصا أن المساهمات في شأن الشعوب، وهو شأن عام، خط متصل تسير عليه الأجيال بأسلوب عصر كل منه ووسائله.

«لا جديد في السياسة، إلا ما نجهله من التاريخ».. عبارة منسوبة للرئيس الأميركي الأسبق هاري ترومان، من الممكن أن تكون مدخلا جديدا يهدف لرسم واقع مغاير.

شباب الحراك في بيانهم الصادر قبل فترة وجيزة، طالبوا الشعب الكويتي بتبني ودعم مشروع سياسي يطول تعديل الدستور، يكون مدخلا، برأيهم، لإخراج البلد من حالة الجمود، ومطالبين، في الوقت ذاته مؤسسات المجتمع المدني بالتكاتف لدعم مشروع التعديل نحو الوصول إلى النظام البرلماني الكامل.

لم أملك بعد أن قرأت بيان الحراك الشبابي، ومن وقع عليه، وبعد تقديري لحماسهم، إلا أن أفتح الباب لتساؤلات تزاحمت في ذهني بصدق وحسرة حول مدى صحة هذه المطالبات، ومدى توافقها مع واقع المجتمع الكويتي.

مطالب الشباب الموقعين على البيان، كما جاءت واضحة، هي ثلاثة: رئيس وزراء شعبي وحكومة برلمانية وأحزاب.. فهل يقف الدستور، بشكله الحالي، حاجزا أمام هذه المطالب؟
التاريخ يقول، لمن أراد قراءته، إن الدستور الذي يطالب بعض الشباب بتعديله، هو نفسه، من دون تعديل، كان عنوان التقدم الذي ضاع، والذي تسأل عنه السلطتان، وعلى وجه الخصوص التنفيذية منها، والتاريخ مرة ثانية لمن يقرأه يتناول الكثير من الممارسات التي قامت بها الحكومة، لتتصادم مع الدستور، حتى وصل الأمر لدرجة تشجيع عناصر لا تؤمن به، لتقوم بالدور نيابة عنها.
فما شأن الدستور في وزير لا يملك اتخاذ قرار؟ وما شأن الدستور في مسؤول عديم الضمير؟ وما شأن الدستور في قوى دينية تكفر وتمنع؟ وما شأن الدستور في ضيف يُمنع وكتاب يُصادر وندوة تلغى؟ وما شأن الدستور في نائب جاهل المعرفة ضيق الأفق؟ وما شأن الدستور في انقلابات توالت عليه أعوام 67 و81 و86؟ وما شأن الدستور في حالة الجمود التي يشتكي منها البلد ويشتكي منها شبابها ويطالب بعضهم بتعديل الدستور لكسرها؟

إن مطالبة شباب الحراك الشعب الكويتي بالدعم – وهي مطالبة لا أملك التشكيك في نواياها الطيبة – تعيد الذاكرة لأعوام السبعينات، حين حكم مصر أنور السادات، الذي راح بسياساته يضيع إنجازات الشعب المصري، متوهما أنها إنجازات شخصية لمن سبقه، وأن تشويهها وتحميلها وزر الأخطاء يمكن أن يكسبه تأييد الشعب المصري، وهذا ما لم يحصل، لأن إنجازات الشعوب تبقى خالدة في الذاكرة، تلهم ولا تسجل باسم الفرد، مهما كان هذا الفرد عظيما.

إن البيان الذي حمل به الشباب الدستور مسؤولية الجمود تقابله بغير قصد ذكريات إنسان شهد التاريخ وشهد له، إنسان قال إنه لم يعارض يوما لأغراض شخصية وما قاله تؤكده الأيام والأحداث والشهود، فهو ضمير من بين ضمائر آمنت بالشعب العربي وبالأوطان وبالأمة، آمنت بحق دائم وأرض ثابتة وهوية جامعة، ذكرياته تشهد بأن الدستور ليس هو المطلوب تعديله، بل نهج الحكومات.
الدستور حق صدر بعد تراكم نضال الكويتيين وارتباطه بالنضال العربي، ومع صدوره تألق الكويتيون في كل مجال.. هي ذكريات أحمد الخطيب، التي جاءت في كتاب من جزأين، لم تخلُ صفحة من صفحاته من نبض عمل أو ومضة أمل، برغم الخطر والألم.

أحمد الخطيب الذي دخل المجلس التأسيسي نائبا للرئيس، ثم مجلس الأمة عضوا، لكنه لم يستظل إلا في ظل السياسة والنضال يقول في إحدى صفحات الكتاب: إن التحرك السياسي إذا كان محظورا، فليس معنى ذلك أن يقف العمل الوطني مكتوف اليدين.. بهذه العبارة رفض أحمد الخطيب الاستسلام، لكنه في المقابل وضع الوطنية شرطا للعمل في الأمس الذي لم يصدر فيه الدستور بعد.. أما اليوم، فما القاعدة التي يمكن أن يقوم عليها العمل الوطني غير الدستور؟

Print Friendly, PDF & Email

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *