الرئيسية » محليات » حكاية مشروع مستشفى الجهراء.. والعودة للمربع الأول

حكاية مشروع مستشفى الجهراء.. والعودة للمربع الأول

مجسم مشروع مستشفى الجهراء
مجسم مشروع مستشفى الجهراء

كتب محرر الشؤون المحلية:
سبق أن طرحت «الطليعة» في عدد لها في أبريل من العام الماضي قيام الديوان الأميري بتنفيذ مشاريع ضخمة في الدولة، كان سحبها من وزارة الاشغال العامة، كجهة فنية لإعداد مشاريع الدولة المختلفة منذ عشرات السنين، لتكون تحت إدارته (الديوان) مباشرة، إعداداً وترسية وإشرافا.. وقد أتت خطوة الديوان تلك، لتجنب العراقيل في تنفيذ المشاريع ذات الأهمية، والتغلب على الدورة المستندية، التي دائما ما يتم التذرع بها بأمر تأخر المشاريع، وأخيراً الإشكالات والفشل الكارثي في عدد من المشاريع التي تقوم وزارة الأشغال العامة بتنفيذها، كاستاد جابر، ذي الصيت في هذا الفشل، ومحطة مشرف، لمعالجة وتجميع مياه المجاري، ومشاريع أخرى استمر تنفيذها خارج الحدود الزمنية المقررة لها.. والقائمة قد تطول، واتقاء لفتح الملفات والمحاسبة الجادة، تم عزل «الأشغال» عما تتولاه من مشاريع ذات أولوية في الإنجاز والاحتياج.. وتم ذكر عدد من تلك المشاريع، ومنها مشروع مستشفى الجهراء، الذي يكتسب أولوية قصوى، بسبب التواجد السكاني في تلك المنطقة، وعدم القدرة الاستيعابية الكافية لمستشفى الجهراء الحالي الذي بني في الستينات.

اعتراف ضمني

«الطليعة» تناولت هذا الموضوع- موضوع سحب المشاريع بصيغة الاستغراب، فالديوان ليس جهة تنفيذية وذا صلاحية من الناحية الدستورية لتنفيذ مشاريع الدولة، هو في الحقيقة سحب صلاحيات من السلطة التنفيذية وأحالها له.. وقبل هذا الموضوع الذي نشر في أبريل العام الماضي، ذكرت صحيفة الشاهد في عددها الصادر بتاريخ 28 مارس 2013 ما نصه «أشار وكيل الديوان الأميري للشؤون المالية والإدارية والموظفين عبدالعزيز إسحق لمدير عام بلدية الكويت إلى قرار مجلس الوزراء بالموافقة على قيام الديوان الأميري بإنشاء وتنفيذ بناء مستشفى جديد في محافظة الجهراء، وإلى موافقة المجلس البلدي على طلب وزارة الصحة العامة لتوسعة مستشفى الجهراء.. ولفت الانتباه في تصريح وكيل الديوان، بأنهم قاموا بإعداد جميع المستندات والمخططات الخاصة بالمشروع، لتنفيذه على الأرض التي سيتم تخصيصها لبنائه بمساحة 395 ألف متر مربع».

ويتضح من هذا الخبر، أن الجهة التنفيذية، ممثلة بمجلس الوزراء، تنازلت عن صلاحياتها لجهة أخرى غير معنية بالتنفيذ، وكأنه اعتراف ضمني وصريح بأن الجهة المعنية، وهي وزارة الأشغال، ليست بالكفاءة المطلوبة كي تتولى القيام بهذا المشروع، على الرغم من خبراتها الطويلة ومهندسيها التي تضمنها، كما يستدل أيضا من هذا الخبر أن الجهة المناط بها تنفيذ المشروع درست وراجعت واجباتها التنفيذية لإنجاز المشروع ضمن المهلة المحددة لها، من ناحية إعداد التصاميم وتأهيل المقاولين وإرساء المناقصة.. وغيرها من النواحي الإجرائية في ما يخص المشروع.

خبر صحافي

لنستكمل رواية المشروع، بخبر نشرته القبس في عددها الصادر في 2013/7/15، نقلاً عن مجلة ميد، ويقول الخبر إن «وزارة الصحة مددت تاريخ إعلان عطا لمناقصة بناء مستشفى الجهراء الجديد البالغة تكلفته 275 مليون دينار (تذكروا جيدا هذا المبلغ)» وكانت المجلة ذكرت في وقت سابق أن «الموعد النهائي لتسجيل العروض هو 14 يوليو، لكن تم تمديده حتى 28 يوليو، ويشمل نطاق العمل إنشاء وتأثيث وصيانة تشغيلية للمستشفى، البالغ عدد أسرّته 1157 سريرا، والمرافق المتعلقة به، وسيتم إنشاء المستشفى على مساحة 214 ألف متر.. أما إجمالي الأرض، فستكون 435 ألف متر، حيث توجد فيها المرافق الأخرى، وقد تأهلت ثماني شركات كويتية للدخول في هذا المشروع».. هكذا أتى الخبر بقدر من التصرف، حتى لا تستطيل الرواية.. ولم تمضِ أيام على نشر هذا الخبر، وتحديداً في 30 يوليو من العام الماضي، وبعد يومين فقط من تاريخ انتهاء إغلاق العطاءات حتى نشرت «القبس» أيضا خبرا بخصوص مستشفى الجهراء مفاده: «فازت شركة برهان الدولية للإنشاءات بمناقصة بناء مستشفى الجهراء الجديد، بعد أن أعلنت وزارة الصحة العامة نتائج العطاءات أمس الأول، وعلمت «القبس» أن شركة برهان تقدَّمت بمناقصة بقيمة 360 مليون دينار، وجاءت بعدها شركة مشرف للتجارة العامة والمقاولات بسعر 367 مليونا، وبعدها شركة بيان بقيمة 392 مليونا.. وغيرها من الشركات الثماني المؤهلة، وآخرها شركة الغانم إنترناشينال بقيمة 517 مليون دينار..!».

الجانب الرسمي

هكذا ورد خبر «القبس» المنشور في يوليو الماضي، ولكن دعونا من الأخبار التي نشرت في الصحافة حول مشروع مستشفى الجهراء، ولنأخذ الجانب الرسمي، ففي 17 أبريل من العام الماضي تم توجيه كتاب من وكيل الديوان عبدالعزيز إسحق إلى لجنة المناقصات المركزية، يطلب منها نشر إعلان في الجريدة الرسمية الكويت اليوم للمناقصة رقم دأ/هـ/80، الخاصة بأعمال تطوير التصميم والإنشاء والتجهيز الطبي والتأثيث والصيانة التشغيلية لمشروع مستشفى الجهراء الجديد، وقد وضعت قيمة تقديرية للمشروع، بواقع 275 مليون دينار، وهذا تأكيد للخبر الذي نشر في مجلة «ميد» الاقتصادية، كما حدد وكيل الديوان أسماء الشركات الثماني المدعوة للمناقصة.. وتسير إجراءات المناقصة، ليأتي كتاب مؤرخ في 13 أغسطس من عام 2013 موجه من وكيل الديوان إلى رئيس لجنة المناقصات المركزية، يفيده فيه بأن الديوان قد أتم الإجراءات المطلوبة، وقد أسفرت النتائج كالتالي.. وفي جدول مبيَّن فيه ثماني شركات محلية وأمامها الأسعار التي تقدمت بها لهذه المناقصة، وفي ختام الكتاب فقرة تفيد بأن «وعليه يوصي الديوان بالترسية على السادة شركة برهان الدولية للإنشاءات والتجارة بمبلغ إجمالي قدره (610/ 359262579 دينارا) فقط ولمدة سنتين، حيث إنها أقل الأسعار ومطابقة للشروط والمواصفات الفنية .
(في الواقع، وبعد الاطلاع على السعر موباط جبدي إلا العشرة فلوس اللي وضعت بنهاية المبلغ المليوني.. حتى السويسريين مو بمثل هذه الدقة في الحسابات!).

بدورها، خاطبت لجنة المناقصات المركزية الشركة الفائزة بالمشروع بكتاب مؤرخ في 2013/10/22، بترسية المناقصة عليها بمبلغ (313/ 357.476.370 دينارا).. أيضا هذا الرقم يفتق الكبد والطحال بوجود 3 فلوس في المبلغ المليوني!

ملاحظات أولية

ولدينا في البداية عدة ملاحظات، أولاها أنه يفترض بمن قام بدراسة المشروع أنه وضع قيمة تقديرية له مبنية على الاحتياجات الحالية والتوسع المستقبلي، وقد حددت الجهة القيمة التقديرية للمشروع بواقع 275 مليون دينار، وهذا المبلغ لا يأتي من واقع «الخرص» أو التقدير الجزافي، بل من دراسة هندسية مدعمة بالدقة والتحوط.. وكانت المفاجأة أن أقل الأسعار التي قدمت من قبل المناقصين بلغت ما يقارب 360 مليون دينار، أي بنسبة زيادة عن الكلفة المقدرة بواقع 30.9 في المائة، ما يدل على أن الدراسة التقديرية بعيدة عن الواقع الهندسي ومتطلبات الإنشاء والتشطيب والتجهيزات الطبية، كما ورد في عنوان المناقصة.

الملاحظة الثانية، أن الجهة المشرفة على المناقصة استبعدت عددا من المقاولين، بعد إجراء عملية تأهيل، وأبقت على ثمانية منهم، لدخول تلك المناقصة، ويفهم بالتأهيل دراسة وضع الشركة، لمعرفة توافر الشروط بإمكانية قيامها بأعمال المناقصة، ومنها دراسة ميزانيات الشركات المتقدمة للسنوات الثلاث السابقة، وهي دراسة لا تأخذ الوقت أو الجهد الطويلين لمعرفة ملاءتها المالية وأصولها وخصومها بموجب ميزانياتها المدققة والمعتمدة من مكاتب حسابات من الدرجة الأولى، وهذا أحد أسس التأهيل المفترض القيام به، ولا نعتقد بأنه اتخذ إجراء على هذا النحو، كما سيبين مسار حكاية المشروع.

ثالث الملاحظات، أن هناك قدرا من التضارب بقيمة المناقصة، ففي كتاب الديوان المؤرخ 2013/8/13، كان أقل سعر للمناقصة هو 610/ 359262579 دينارا، كما أن كتاب لجنة المناقصات المؤرخ بـ 2013/8/22 ذكر ذات السعر، فيما كان كتاب لجنة المناقصات الموجه للشركة الفائزة المؤرخ بـ 2013/10/22، ذكر قيمة المناقصة بواقع 313/ 357.476.370 بنقص في القيمة بواقع 1.786.209 دنانير.

وآخر الملاحظات، أنه بخلاف ما أوردته الزميلة «القبس» في أخبارها عن تولي وزارة الصحة القيام بكذا وكذا في هذا المشروع، إلا أن الإجراءات التي تم اتخاذها من التأهيل حتى الترسية، كانت لدى وكيل الديوان ولا شأن لوزارة الصحة بتولي إجراءات المناقصة.

الوجهة الجديدة

ونستمر بالحكاية، فبعد أن تم إرساء المناقصة على الجهة الفائزة، بعد أن وجدت صعوبة لدى المصارف بدفع الكفالة البنكية الأولية عند تقديم العروض، وبعد أن تمَّت ترسيتها على الشركة الفائزة يفترض أن تباشر بالأعمال المسندة إليها لإنجاز المشروع، لأن مدته سنتان، أي أربعة وعشرون شهراً بموجب كتاب الديوان.. إلا أن الشركة عجزت منذ البداية عن توفير كفالة إسناد المشروع، وأضحت غير قادرة على البدء فيه، على الرغم من أولوية الإنجاز وسرعة التنفيذ.. وما صدر في الأسبوع الماضي بات من شبه المؤكد انسحاب الشركة من المشروع، ولا نعلم ما إذا كان سيتم تطبيق المادة 56 من قانون المناقصات بحقها أم لا والمادة تقضي بمصادرة الكفالة الأولية.

وسيكون أمام الجهة التي تتولى هذه المناقصة، إما ترسية المناقصة على الشركات الثماني التي تأتي بأقل سعر لها بعد الشركة الفائزة، وهي شركة بيان بمبلغ 392425425 مليون دينار، أو إعادة طرح المناقصة من جديد.. أي العودة للمربع الأول، بعد مضي كل تلك الأشهر.. ويبدو الاتجاه يسير نحو إعادة طرح المناقصة من جديد، وليس الذهاب للمناقص الثاني في الأسعار.. ولاسيما أن هناك أنوارا ساطعة تجاه هذه المناقصة وبالذات بشأن التجهيزات الطبية.

المساءلة والاستحقاق

هذه هي حكاية مشروع مستشفى الجهراء، وقد تحدث الزميل عبدالله النيباري في عدد «الطليعة» الماضي إسهاباً عن الموضوع، ومسؤولية تولي الديوان لهذه المشاريع، ومنها مشروع مستشفى الجهراء.

وبالاعتقاد، فإن مستوى المساءلة ينحصر بمنصب سمو رئيس مجلس الوزراء الذي ارتضى أن تسحب صلاحياته منه، برضاه وموافقته على سحب مثل تلك الصلاحيات التنفيذية، التي تصب في صميم السياسية العامة لمجلس الوزراء، وفي هذا تقليل أيضا من شأن أحد مرؤوسيه، ممثلا بوزير الأشغال العامة..
ومن هنا تستحق المساءلة السياسية على هذا التفريط..

هل انتهت الحكاية؟

لا نعتقد، مادمنا عدنا للمربع الأول.

Print Friendly, PDF & Email

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *