الرئيسية » الأولى » عبد الله النيباري : تدخل الديوان الأميري في تنفيذ المشاريع مخالف للدستور

عبد الله النيباري : تدخل الديوان الأميري في تنفيذ المشاريع مخالف للدستور

عبد الله النيباري
عبد الله النيباري

أثار النائب راكان النصف في مداخلته (جلسة مجلس الأمة 2014/1/7) مسألة في غاية الأهمية، وهي تولي الديوان الأميري مهام تنفيذ مشاريع إنشائية، هي من الاختصاصات الأصيلة لوزارة الأشغال، وهو ما قد يخالف المادة 55 والمادة 66 من الدستور، وتساءل مَن الوزير المسؤول أمام المجلس إذا حدثت تجاوزات مالية أو إدارية في مشروع نفذه الديوان الأميري؟ والخطورة أننا لن نستطيع أن نحاسب أحداً من الوزراء إذا حدث ذلك، وطالب النصف وزير الأشغال باسترداد هذه المشاريع.

وهذه هي المرة الثانية التي تثار فيها هذه القضية في المجلس، إلا أن الحكومة لم تقدّم أي تفسير مقنع ومرضٍ.

ومسألة تولي الديوان الأميري أعمالا تنفيذية، هي من اختصاص الوزارات، أمر في غاية الأهمية، لأنه يمس التركيب الدستوري والقانوني للدولة. لذلك، فهو منذ فترة محل تساؤل وتداول بين المهتمين بالشأن العام، من وزراء ونواب سابقين وإعلاميين، بل إنه محل تداول في أوساط واسعة من فئات الشعب، وهو الأمر الذي تناولته «الطليعة» في عددها الصادر بتاريخ 13 أبريل 2013.

أسئلة مشروعة

السؤال المتداول، هو مَن الذي أشار أو نصح الديوان بولوج هذا الطريق الوعر الذي قد يعرّض مقام رئيس الدولة للمساس والإحراج، باعتبار أن الديوان الأميري هو مكتب سمو الأمير رئيس الدولة، الذي نص الدستور على أن ذاته مصونة، لأنه لا يمارس اختصاصات تنفيذية هي من اختصاصات الوزارات، وماذا كان رأي خبراء ومستشاري الديوان القانونيين والدستوريين؟

المفروض أن الكويت بعد صدور الدستور عام 1962 أصبحت دولة نظام، الحكم فيها دستوري، أي أن إدارة شؤون الدولة تكون وفقا لأحكام الدستور الذي حدد الاختصاصات والصلاحيات، بما فيها صلاحيات سمو الأمير رئيس الدولة، وكيفية ممارسة هذه الصلاحيات والاختصاصات.

فالأمير «يعيّن رئيس الوزراء والوزراء، ويعفيهم من مناصبهم» (مادة 50)، وهم «مسؤولون أمامه بالتضامن عن السياسية العامة للدولة» (مادة 58) من الدستور.

ومن حقه مساءلة رئيس الوزراء والوزراء عن أدائهم في تنفيذ أعمالهم، ومنها المشاريع الإنشائية، كما من حقه أن يسأل ويستفسر ويوجه النقد، وقد يمتد ذلك إلى التوجيه والإيعاز، كما له حق إعفاء الوزراء، إذا ما وجد تقصيرا منهم في أداء أعمالهم، وعلاج التقصير الجسيم، هو إعفاء الوزير واستبداله، وعلاج التقصير من الوزراء هو إعفاؤهم أو تغيير أنظمة العمل التي تعيق الإنجاز وإصلاحها.

«الأمير يتولى سلطاته بواسطة وزرائه»، مادة (55)، ومقتضى ذلك أنه لا يقوم بواسطة مكتبه، وهو الديوان الأميري، بمباشرة أعمال تنفيذية هي اختصاص أصيل للوزراء وفقاً لنصوص الدستور.

أمر ملفت

كان أمراً ملفتاً للنظر ظهور سمو الأمير أمام مجلس مستشفى الجهراء وبجانبه نائب رئيس الديوان والمدير الإداري وغياب وزير الصحة ووزير الأشغال، بصفتهما الجهتين صاحبتي الشأن.

ورافق ذلك إعلان تولي الديوان الأميري مهام تنفيذ إنشاء مستشفى الجهراء، الذي قدّرت تكاليفه بمبلغ 359 مليون دينار، وكان التفسير المتداول لهذا الإجراء، هو تسريع الإنجاز، والتغلب على بطء العمل في الوزارات.

وبالإضافة إلى ذلك، صدرت أخبار أيضا عن تولي الديوان الأميري إنشاء مجمع محاكم الفروانية، ومجمع محاكم الجهراء، بكلفة تقديرية للمشروعين بلغت 160 مليون دينار، سوف تنفذ عن طريق الممارسة، ما يثير التساؤل عن مدى جواز تنفيذ مشاريع بهذه التكلفة الضخمة عن طريق الممارسة.

ووفقاً لكشف مقدّم من ديوان المحاسبة، يتبيَّن أن المشاريع التي يتولى تنفيذها الديوان الأميري بلغت تكاليفها 359 مليون دينار.

فهل سيستمر الديوان الأميري في التوسع في مباشرة تنفيذ مشاريع هي من اختصاصات الوزارات، بذريعة تسريع الإنجاز، ربما بتجاوز الإجراءات والخطوات المعتمدة في تنفيذ المشاريع؟ وهل سنصل إلى يوم نجد فيه الديوان الأميري مشاركا لوزارة الأشغال والكهرباء وهيئة الزراعة والمنشآت الرياضية في تنفيذ الإنشاءات، من مبانٍ وطرق ومحطات كهرباء وخطوط الهواتف ومباني المدارس والجامعات، وما إلى ذلك، وربما يمتد أيضا إلى مشتريات الحكومة المدرجة في الباب الثاني من الميزانية؟

وهكذا، ومن دون أن يدرك أحد، نجد أننا عدنا لحكم الفرد.. كل ذلك بذريعة التعجيل في الإنجاز.

ملاحظات ديوان المحاسبة

هذه المشاريع تدرج في ميزانيات الوزارات، بناءً على دراسات فنية، تؤكد الحاجة إليها، واختيار أنسب الطرق لتنفيذها، وتقدر حجمها ومساحاتها، وعلى ضوء ذلك، تقدر تكاليفها ومدة إنجازها، وبعد أن تقرها الجهات المعنية تعرض على مجلس الوزراء، وبعد موافقته، تحال إلى مجلس الأمة، وبعد إقرارها في الموازنة العامة، تأتي مرحلة التنفيذ، ويتابع ديوان المحاسبة أداء الوزارات من النواحي الفنية والمالية والقانونية، ويقدم تقريره إلى مجلس الأمة وعلى ضوئه تتم المحاسبة.

فإذا تولى الديوان الأميري تنفيذ المشاريع، فما مصير هذه الخطوات الواجبة الاتباع؟ وكيف سيتم تفعيل الرقابة على صرف أموال الدولة؟ وهل يعقل أن الديوان الأميري ينفذ والوزراء يحاسبون؟

معنى ذلك، أننا أمام أمر خطير جدا، وهو اختلال البناء القانوني للدولة، بسبب اغتصاب الديوان الأميري لاختصاصات الوزارات.

والديوان الأميري يستظل في ممارساته بمظلة سمو الأمير، ما يضعنا أمام إحراجات للمقام السامي لرئيس الدولة وللجهات الرقابية في حالة وجود تجاوزات.

والاحتماء بمظلة سمو الأمير قد تفسح في المجال لمخالفات وانحرافات أكثر وأكبر بمراحل مما يحدث في الوزارات.

وقد سجل ديوان المحاسبة 19 مخالفة على المشاريع التي نفذها وينفذها الديوان الأميري ومنها:

1 – ضعف الجهاز الفني في الديوان الأميري المكلف بمتابعة المشاريع، فعدد الموظفين والمهندسين لا يزيد على 17 موظفا.
2 – عدم الدقة في تقدير التكاليف للمشاريع، والاعتماد على تقديرات تقريبية.
3 – عدم توافر دراسات تبيّن مدى الحاجة لبناء المشاريع المطلوبة.
4 – إدراج أولوية المشاريع يتم بناءً على طلب الجهات العليا.
5 – بساطة تحديد المتطلبات الفنية والشروط المرجعية للمشاريع، والاعتماد على محاضر الاجتماعات التنسيقية مع الجهات المستفيدة.
6 – تضخم تكاليف المشاريع وزيادة التكاليف الفعلية عن التكاليف المتعاقد عليها.
7 – التأخر في توقيع العقود، على الرغم من استيفاء كل الخطوات السابقة على ذلك، وآخرها موافقة ديوان المحاسبة.
8 – كثرة أوامر التغيير، وتمديد مواعيد الإنجاز، ما أدَّى إلى تضخم التكاليف.
9 – 57 في المائة من المشاريع طالتها أوامر التغيير وتمديد مدد الإنجاز.
10 – اقتصار اختيار الشركات على عدد محدود، بناءً على خبرة التعامل السابق.
11 – إدراج مشاريع لعدة سنوات، من دون تنفيذها، ثم تحويل الاعتمادات المالية المخصصة لها للصرف على الترميم والصيانة لمشاريع قائمة.
12 – تركيز الدورة المستندية (أي كل ما يتعلق بالمشروع) في شخص واحد، هو المدير الإداري، ما أدَّى إلى الإخفاق في مراقبة التنفيذ، وخاصة في ما يتعلق بتطبيق الجزاءات التعاقدية وفرض التعويضات، وفقا لما تمليه شروط العقد (يعني «تساهل»).
13 – ترسية المشاريع بطريقة التصميم والتنفيذ، أي قيام المقاول بتصميم المشروع وتنفيذه لم يحقق الاستفادة المطلوبة.

هذه الملاحظات تدعو إلى مراجعة جادَّة لخطورة أسلوب تولي الديوان الأميري اختصاصات الوزارات.

فالمطلوب من الحكومة، على الأخص رئيس الوزراء ووزير الأشغال، توضيح الموقف، كما هو مطلوب من النواب الحريصين على المصلحة العامة وحماية الدستور والمال العام التصدي لهذه المهمة، كما تم في المجالس السابقة، عندما تصدوا لمحاولة تدخل الديوان الأميري لتحويل الإشراف على معهد الأبحاث العلمية إلى رئيس الديوان الأميري.

Print Friendly, PDF & Email

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *