الرئيسية » سعاد فهد المعجل » سعاد فهد المعجل : الوجه المظلم للتكنولوجيا

سعاد فهد المعجل : الوجه المظلم للتكنولوجيا

سعاد فهد المعجل
سعاد فهد المعجل

هل أثرت التكنولوجيا سلباً أم إيجاباً في قدرات الفرد الإبداعية؟.. سؤال لا يزال مطروحاً للمناقشة، وسط جدل عالمي بين الرفض والتأييد.

تجربتي الشخصية في حقل التعليم تجعلني أميل إلى مزاوجة الرأيين معاً.. صحيح، إن التكنولوجيا، والكمبيوتر الذي أصبح من مستلزمات البيت العصري، قد ساهما في توفير الوقت واختصار العمليات الحسابية، وتقصير المسافات، وغير ذلك مما نشهده في زمننا هذا.. وصحيح، إن استخدامه كأحد أساليب تقنيات التعليم قد سخر وخدم أهدافا تعليمية كثيرة، وبأنه أداة جذب للطلبة، ووسيلة مساعدة هائلة للمعلم، وطريق للاطلاع على آخر الأبحاث العلمية والتربوية، وآخر إصدارات المجلات العلمية، وتبادل الوسائل والوثائق.. صحيح، إن استخدامات الكمبيوتر مكَّنت البشر، وفي شتى المجالات، من تحفيز قدراتهم وتوفير الوقت والجهد.. كل ما سبق صحيح.. لكن، وتلك «لكن» كبيرة، كان للتكنولوجيا والكمبيوتر بالذات آثار سلبية على قدرات الفرد الإبداعية، وذلك حين اختصرت عليه الوقت في أمور كثيرة، نبدأها مثلا بالموسيقى، حيث حوَّلتها التكنولوجيا والكمبيوتر من تجسيد لمشاعر الإنسان وأحاسيسه إلى برمجة لأورغ أو غيتار يتكرر في كل مقطوعة موسيقية نسمعها اليوم، وبشكل حوَّل الموسيقى من فن بشري سامٍ لا يجيده إلا المبدعون، والذين منحتهم الحياة هذه الملكة الجميلة، إلى بضاعة متكررة وتجارة تضيق بها الأسواق.

الإبداع البشري الفطري تضرر هو الآخر، بفعل التكنولوجيا، فلم يعد الفن والرسم والنحت سمة المبدعين الذين يملكون تلك الملكة ويحولونها إلى إبداعات فنية خالدة، فبرامج الرسم جعلت من الجميع فنانين، وبرامج مزج الألوان الموجهة حلَّت محل رائحة الألوان الممزوجة بعبق الزيوت الطبيعية.

أما أكثر الأمور تضرراً بالتكنولوجيا، فهي قدرة الفرد التحليلية والنقدية والبحثية، وهو -كما ذكرت في البداية- ما لمسته وفق طبيعة عملي مع الطلبة لسنوات طويلة، فالتعليم في أساسه تدريب على معالجة المعلومة وتحليلها واستشراق ما وراءها، وربط كل ذلك بالواقع، وأحيانا بالخيال.

الطلبة اليوم، مقارنة مع الطلبة منذ عشرة أو عشرين عاماً، فقدوا تلك القدرة، وأصبح محرك البحث «غوغل» هو أداتهم التحليلية، وأصبح الاختصار هو عنوان البحث، وهو أمر تناوله المفكر والفيلسوف وعالم اللغة نعوم تشومسكي، حين تحدَّث محذراً من الانعكاسات السلبية للكمبيوتر على قدرة الفرد التحليلية والنقدية، حيث قال إن اختصار المعلومة في 140 كلمة هي سعة برنامج «تويتر»، يعني تقليصاً لقدرة الفرد على معالجة موضوعات مطولة وكتب قيمة.

لا جدال في أن التكنولوجيا قد قفزت بالبشرية قفزة هائلة، وأدَّت إلى تحسين جوانب كثيرة في حياة البشر، صحيا وتعليميا واجتماعيا، لكن، وكما أن لكل شيء وجهاً مظلماً، كذلك، فإن للتكنولوجيا والكمبيوتر وجهاً مظلماً أيضاً.

Print Friendly, PDF & Email

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *