الرئيسية » قضايا وآراء » ناصر العطار : عن الإمارات

ناصر العطار : عن الإمارات

ناصر العطار
ناصر العطار

يعتقد البعض من منطلق الحسرة والندم، أو التفاخر والتباهي، بنظرية المقارنة التي تفتح الباب للنظر في أحوال كل دولة على حدة وقياس أحوالها ببعضها بميزان التقدم والتطور، وربما تكون هذه النظرية صالحة ومبررة حين الاعتقاد بها والاعتماد عليها في شأن أحوال بلدان لا تحمل من المشترك مصلحة ولغة وعدواً وتاريخاً ومصيراً، لا تحمل حالاً عامة مشتركة ينظر لها من خلاله العالم، وتنظر هي لنفسها من خلاله، وتجتمع تحت مفهوم الأمة، ولو اعتقدت بنظرية المقارنة وعقدتها بين أحوال بلدان الأمة، فإنني أظن أن مقياس التفضيل الأساسي يكون في ما يمثله الناس في بلدهم من وجود يعكس وحدتهم الوطنية وتوجهاتهم الديمقراطية، ويحقق مشاركتهم الشعبية، وينفذ ما يقرونه، فعلى أساس هذا المقياس تصلح المقارنة، ويسطع المثال، وتضيء المنارة.

وهنا في الكويت يكاد لا يكف أصحاب نظرية المقارنة بعقدها بلا ترو وتمهل بين تراجع يتلمسونه في الكويت، وتقدم يرونه في الإمارات، وبالتحديد في عاصمتها التجارية، دبي، ومع تفهمي لما يُتلمس هنا ويرى هناك أقول – من دون تفضيل ينم عن وطنية منغلقة أو تجاهل لحال حاضر – إن دستور الكويت، وما بذل قبل كتابته، وفي أثناء إعداده، وبعد صدوره، يعكس وجوداً للناس يحمل الإلهام في كل جوانبه، لأنه ببساطة كرَّس دورهم في بلدهم وأمتهم، والدلائل جاءت واحدة بعد الأخرى تروي وتؤكد دور الناس وتفاعلهم مع الأحداث، وتصديهم للأخطار، وعلينا أن نحيي الذاكرة ونسأل التاريخ عن تهديد واجهته الكويت بعد استقلالها وغزو استباح أرضها كيف ظهرت قدرة الناس في التمسك بأرضهم أثناء الحادثتين؟ لنسأل التاريخ عن تفاعل الناس مع نادي الاستقلال وندواته القومية ودواوين الإثنين ومطالبها؟ أليس هذا بحد ذاته، وكثير غيره، يُحسب لقدرة الناس ولأجلهم مثالاً يحتذى ولا يُقارن؟ ومع ذلك، فإن إحياء الذاكرة لا يعني العيش في التاريخ، وتجاهل أي تقدم يجري في أنحاء الأمة وتجهيله، لأن ذلك يعني إلغاء للجهود وشطباً للتطلعات، وهذا ما لا ينبغي الوقوع فيه، فكل خطوة عربية صادقة ومخلصة من البديهي أن تكون محل تشجيع وتأييد كل الناس.

والإمارات بلد عربي من بلدان الأمة، سأقف عنده – بلا مقارنة نادمة أو حاسدة – وأتحدث بإعجاب واهتمام عن مشروع تقوده هيئة أبوظبي للثقافة اسمه «كلمة»، يهدف إلى ترجمة مليون كتاب أجنبي إلى اللغة العربية. مشروع «كلمة» يتيح للعقلية العربية وللثقافة العربية مد جسور التواصل مع ثقافات العالم وأفكارها المتنوعة، من خلال ترجمة حصيفة لكتب تشمل كل مجالات العلوم، ومثل هذا المشروع القيم في معناه، والمفيد في جدواه، خطوة في الاتجاه الصحيح، اتجاه العقل الباحث عن التنوير والمهتم بالمعرفة، ولست أعرف لماذا لا يتحمس، ولو قليلا، أصحاب نظرية المقارنة بذكرها وعقدها هنا في هذا المقام، ليتسابق كل بلد وآخر في إثراء الثقافة العربية كل باستطاعته وأسلوبه؟

إن توجيه المقارنة نحو الأجمل والأكبر والأغنى يزيد من التسطيح في أي بلد عربي، ويوسع الهوة بين من يملك الحق، ومن ينال الثقة، وكأن بلدان الأمة في سباق نحو التراجع، ثم إن دول الخليج، بمساحتها وسكانها وغناها، تملك نجاحا اقتصاديا متوقعا.. لذلك، فإن بزوغ دبي ليس من المعجزات الخارقة، رغم كل ما تحدثه من انبهار، فهذا هو دورها بما تمليه عليه طبيعتها، وهو فهم ناجح لمعنى دورها لا خلاف عليه، لكن من الأفضل أن نسأل أنفسنا كيف نفهم معنى الوطن؟ وهل الناس فيه مجرد ضيوف؟

Print Friendly, PDF & Email

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *