الرئيسية » قضايا وآراء » محمد جاد : في ذكرى نجيب محفوظ

محمد جاد : في ذكرى نجيب محفوظ

محمد جاد
محمد جاد

مرَّت منذ أسابيع ذكرى ميلاد نجيب محفوظ، المولود في القاهرة، في 11 ديسمبر 1911، الرجل الذي أرَّخ لمصر اجتماعياً في مشروع روائي صبور، لم ولن يتكرر، حتى كاد يصبح هو التأريخ الحقيقي للحياة المصرية في القرن الفائت، بخلاف كتب التاريخ الزائفة التي نتنفسها في المدارس والجامعات.

المدهش أن روح ووعي الرجل لم يختلفا منذ البداية التي رآها، ليدشن مشروعه الروائي، والذي امتد منذ مصر الفرعونية، وحتى لحظتنا الراهنة.

فكتابات محفوظ عن انقلاب يوليو من الممكن جداً قراءتها اليوم عن تبعات ما حدث في مصر.

فرغم الروح الثورية، فإن آفة الجهل وسطوة الغوغاء هما أهم أسباب تحوّل هذه الثورة عن مسارها. لذا، اختتم محفوظ «أولاد حارتنا» بشخصية «عرفة/العلم»، فهو الأمل وهو نهاية المطاف، بعد رحلة طويلة وشاقة من البحث عن العدل في الحارة/العالم، العدل الذي تحقق لحظات معدودات، تؤيده القوة في معظم الأحيان، لأنها الوحيدة الجديرة بحمايته.

فالقوة التي رآها محفوظ تكمن في العلم وحده، رغم انفلاته ــ العلم ــ أو تجاوزاته، التي تعيد تشكيل الحارة، وبالتالي تشكيل السُلطة التي تنبع منها، فكل سُلطة تأتي على شاكلة طائعيها، رأى محفوظ أن نتسامح مع هذا الانفلات أو التجاوز، فمن الأخطاء سيتعلم الإنسان، وسيصل إلى امتلاك مصيره، وإلا كيف يكون «الجبلاوي» في نهاية الرواية راضيا تماماً عن «عرفة» وأفعاله؟ إنها رحلة نضوج العقل، ولكن من دون نسيان النشأة والتاريخ، فغرور «عرفة» واستهانته بتاريخ أسلافه، هو الذي جعل الحارة تخشاه أكثر من أي شخص مرّ بها، حتى أن لعنات الجميع أتاحت أن تتسرب الشائعة التي لم تزل تلتصق به إلى اليوم بأن «عرفة» قد قتل «الجبلاوي»، وهو معادل الانفصال التام بين العلم وتاريخ الإنسان الروحي.

هذه الشائعة هي التي نتنفسها حتى الآن، ونخشى الخروج من دائرتها، كي لا نواجه مصيرنا بمفردنا، ونتحمَّل مسؤولية الجهل الذي نعيشه، والمسؤولية الأكبر في تجاوزه.

هذه هي المأساة التي يراها صاحب «نوبل»، وصاحب أعمق مشروع روائي كُتب بالعربية، مأساة نرجو أن تصبح تاريخاً نتذكره فقط حتى لا نحياه مرّة أخرى.. ربما.

Print Friendly, PDF & Email

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *