الرئيسية » محليات » استثمارات التأمينات.. تحتاج إلى أيدٍ أمينة وبعيدة عن الشبهات

استثمارات التأمينات.. تحتاج إلى أيدٍ أمينة وبعيدة عن الشبهات

كتب محرر الشؤون المحلية:
مرة أخرى، يعود موضوع الاستثمارات الخاصة بالتأمينات الاجتماعية إلى الساحة الإعلامية، من خلال تقرير صادر عن ديوان المحاسبة، باطلاعه وكشفه المحاسبي على مؤسسة التأمينات الاجتماعية، وقد نشرته الزميلة «القبس» على حلقات الأسبوع الماضي، مبيناً فيه التجاوزات التي لاتزال ترتكب في مجال الاستثمار المالي للفوائض النقدية المتحصلة من اشتراكات المؤمن عليهم من العاملين الكويتيين في القطاعين الحكومي والخاص، وهي تدفقات نقدية شهرية بحجم كبير تتدفق على مؤسسة التأمينات الاجتماعية.

فساد في الاستثمارات

وقبل الخوض في أمر تلك الملاحظات، التي أوردها ديوان المحاسبة، لابد أن نضع نقاطاً أساسية تجاه الموضوع الحالي، فالأمر الأول أن موضوع الاستثمار للأموال العامة شابها كثير من حالات الفساد المالي منذ عقود، وقد تمثلت بالتلاعب والفساد والإثراء الشخصي للقيادة المعنية، التي تتولى استثمار الأموال الكويتية في الخارج في مكتب لندن للاستثمار، ما أدَّى ذلك إلى خسائر كبيرة ومنهجية الفساد، وقاد الأمر إلى تحويل المسؤولين عن ذلك إلى القضاء، وصدرت بحقهم أحكام بالتلاعب المالي الذي قاموا به شراكة مع النافذ الاسباني دي لاروسا، وكانت الأموال والمقدرات المالية للكويت تعني في الحقيقة السرقة على المكشوف، من دون رادع أو ذرة ضمير صاح أو خوف من المساءلة، وكأن الأموال أموالهم يغرفون منها كيفما يشاؤون.. ولايزال أبطال السرقة يتمتعون برغد العيش خارج البلاد، بعد أن استنزفوا أموال الكويت طوال سنوات.
وليس بعيداً أيضاً حالة الفساد الأخرى الصارخة في مجال الاستثمار، كما جرى في شأن الفساد الذي شاب التعاقدات والاتفاقيات الاختلاسية لشركة ناقلات الكويت، وأيضا صدرت أحكام على المتهمين، ومنهم من لايزال يقبع في السجن، وآخر تحت الثرى، واثنان أيضا يتمتعان برغد العيش الكريم، بعد أن استنزفا ملايين طائلة، هذا عدا الاستثمار المضحك، والذي تم بالتمرير على مستوى مجلس إدارة مؤسسة النفط لصفقة شركة سانتافي.

قرصات الثعبان

إذن، استثماراتنا الكويتية سمتها الفساد الواضح والسرقة، وتميزها بهذه الصفة ليس بتكهنات، بل بموجب أحكام صدرت بشأن هذه السرقات طوال عقود. إذن، هناك حساسية من «الحبل» في مجال الاستثمارات الكويتية، لأن قرصات الثعبان متواصلة على مدار السنوات، بحيث لا يسمع المواطن عن استثمار ما حتى يشعر بالخوف من قرصات الفساد والسرقة التي حلت بأموال الشعب طوال سنوات.

بلاغ فهد الراشد

الملاحظة الثانية في موضوع التأمينات الاجتماعية، هي البلاغ الذي قدم إلى النيابة العامة من د.فهد الراشد في 25 سبتمبر من عام 2008، وللتعريف بالدكتور فهد الراشد، فهو من أول العاملين في الاستثمار المالي في مؤسسة التأمينات الاجتماعية، وكان ذلك عام 1977 عند بدء عملها، حيث كان مسؤولاً عن استثمارات مؤسسة التأمينات الاجتماعية، التي كانت آنذاك برئاسة حمد الجوعان.. وقد ترك العمل في هذا المنصب ليتولى الإدارة التنفيذية لهيئة الاستثمار عام 1979، كعضو منتدب للهيئة، واستمر فيها حتى تاريخ استقالته المسببة من هذا المنصب في شهر ديسمبر من عام 1990، عندما حدثت تجاوزات رهيبة في أموال هيئة الاستثمار ومكتب الاستثمار الكويتي في لندن، لم يكشف النقاب عنها بشكل شفاف أو تفصيلي عندما سيلت أصول، وذهبت الأموال إلى الجيوب الخاصة.. هذه هي الخلفية المهنية للدكتور فهد الراشد، الذي صرَّح لـ»الطليعة» في أعداد سابقة، أنه تقدَّم بالبلاغ محتويا على اتهامات ضد المدير العام لمؤسسة التأمينات الاجتماعية، بحصوله على عمولات من جرَّاء عمليات استثمارية خاصة بمؤسسة التأمينات، كما تضمَّن البلاغ أيضا الشبهات التي تدور عن تبديد 330 مليون دينار، أي أكثر من مليار دولار، في مضاربات شديدة الخطورة رغم اعتراضات وتحذيرات ديوان المحاسبة.
وإزاء ذلك، ومن جرَّاء تلك التصرفات والاتهامات، قام وزير المالية الأسبق، بدر الحميضي، بتشكيل لجنة للتحقيق في أمر الخسائر والاتهامات الموجهة للمدير العام برئاسته، إلا أن إقالته من وزارة ناصر المحمد أنهت هذه اللجنة، وأتى الوزير الأسبق إلى وزارة المالية، وبدلاً من أن يتولى بنفسه أمر هذه اللجنة، قام بتعيين المدير العام لمؤسسة التأمينات الاجتماعية بتولي التحقيق على نفسه، أي على تصرفات المدير العام لمؤسسة التأمينات.. و«خوش» لجنة تحقيق، وهذا ابتكار كويتي صرف يحتاج إلى براءة اختراع!

وكأن شيئاً لم يحدث

الملاحظة الثالثة، أنه سبق لوزير المالية الأسبق، مصطفى الشمالي، إيقاف مدير عام التأمينات الاجتماعية عن العمل، كإجراء وقتي على ضوء كثرة الحديث عن التجاوزات الاستثمارية والمساءلات لبعض النواب في فتح ملف التأمينات، إلا أن المدير العام عاد إلى مكانه مرة أخرى، ولم يُفصح عن أمر البلاغ الذي تقدم به د.فهد الراشد، وسارت الأمور في نهاية عام 2012، وكأن شيئاً لم يحدث، ويردد البعض قول الشاعر الكبير نزار قباني:
اليوم عاد كأن شيئاً لم يكن
وبراءة الأطفال في عينيه..
الملاحظة الرابعة، التي يجب ذكرها، أننا نعلم بأن مجال الاستثمار المالي فيه كثير من المحاذير والمخاطر، التي قد تؤدي إلى خسائر أحيانا لا يمكن التكهن بها، وكابح المخاطر والخسائر هو المعلومة الصحيحة والكادر الكفؤ القادر على اتخاذ القرار الصحيح بما يمتلكه من معلومات ومتابعة في الأسواق العالمية والمحلية، والبعد عن الاستثمارات ذات المخاطر العالية، على الرغم من أرباحها الكبيرة «كأسواق الخيارات option market»، ولكن تأتي فوق ذلك، وعلى سلم تلك المقومات، الأمانة في العمل والبعد عن الشبهات، وهذا ما نستبعده عن الإدارة العليا لمؤسسة التأمينات الاجتماعية.. ولو تم توجيه بلاغ، كالذي وجهه د.فهد الراشد حول التجاوزات وحالات الفساد التي تشوب الاستثمارات في مؤسسة التأمينات، فأول من يطلب التحقيق وفتح كل الملفات هو المدير العام نفسه، لدرء أي شبهة قد تكتنف عمله، إن كان يتمتع بهذه الصفة، وحتى قبل أن يصل الأمر إلى تقديم بلاغ من أحد الأطراف من ذوي الخبرة والدراية، كالدكتور فهد الراشد، ولكن لم تكن هذه الحال، ومنذ عام 2008 ظل الملف طي الكتمان، مع توقيف وقتي لمدير عام المؤسسة.

ملاحظات

هذه الملاحظات يفترض أن تذكر عند تناول تقرير ديوان المحاسبة الأخير، والذي نشرته الزميلة «القبس» أخيراً، ولعل أهم الملاحظات التي وردت في تقرير الديوان يتمثل تلخيصاً في:
ـ تراجع إيراد الاستثمار بنحو 24 في المائة تقريبا عن العائد المفترض، وهذا يمثل مبلغاً قدره 292 مليون دينار بالنسبة للسنة المالية 2012-2013، وهذا يعادل مبلغاً يفوق المليار دولار.
ـ الدخول في استثمارات غير مضمونة وذات مخاطر عالية، كما أتى في الاستثمار في سندين مصدرين من مؤسسة «سيتي غروب» غير مضمونين من الجهة المصدرة لتلك السنوات مع استحقاق زمني لعامي 2015، وآخر في نهاية عام 2016 ومبلغ 650 مليون دولار.
ـ المدة الزمنية الطويلة التي مرَّت على قرار الاستحواذ على مقر «سيتي غروب» الأوروبي، حيث اتخذ قرار اللجنة العليا للاستثمار للاستحواذ على المقر 2011/12/5، عن طريق إنشاء صندوق عقاري لهذه الصفقة بمبلغ 400 مليون جنيه إسترليني وحتى تاريخ 2013/2/28، لم يتم إتمام هذه الصفقة، ولايزال التراسل قائماً حتى هذا التاريخ لإتمام عجلة الاستحواذ، بعد مضي سنة ونصف السنة على اتخاذ قرار الاستحواذ الذي أقر من اللجنة العليا للاستثمار.
وعلى الرغم من مرور تسعة أشهر على تحويل مبلغ الاستحواذ الذي ذكرناه، وهو 400 مليون جنيه استرليني، فقد حول المبلغ في 2012/6/15.
في الحقيقة، ماذا تعني هذه الملاحظة التي أوردها ديوان المحاسبة؟ يفترض في المؤسسة، أيا كانت، سواء مؤسسة التأمينات أو غيرها، مستكملة تماماً لأدوات الصفقة قبل صدور القرار الخاص بالاستحواذ على المقرر، ومعرفة كل المعطيات والإجراءات المتعلقة بالصفقة، وذلك قبل الوصول إلى الجهة التي تتخذ القرار، ممثلة باللجنة العليا للاستثمار، أي عمل Home Work الكامل قبل الوصول إلى اتخاذ القرار، وهذا ما لم يحصل على مستوى هذه الصفقة، فحتى تاريخ فبراير 2013 لم يتمكن الصندوق الخاص بتولي هذا الأمر من إتمامها، وهذا يعني مرور ما يقارب السنة ونصف السنة على اتخاذ القرار، ويعني أيضا عدم الدراسة الكافية لمعطيات وأسس هذه الصفقة بعد مرور هذه المدة الطويلة على إقرارها.. بمعنى لا يوجد Home Work معد لها، حتى تقضي المؤسسة طوال هذه المدة لإنجازها. ولعلنا نجد عدم إنجاز أعمال وواجبات الصفقات، كما يفترض في قضية شراء ما نسبته 24.9 في المائة من أسهم شركة stone point الأميركية بمبلغ 340 مليون دولار، وعرض هذا الأمر على اللجنة العليا للاستثمار بتاريخ 2012/11/8.
وكما جاء في تقرير الديوان «رأت اللجنة إرجاء اتخاذ قرار الاستثمار استناداً إلى عدم كفاية واكتمال البيانات التي عرضت أثناء الاجتماع»، بمعنى آخر، إن Home Work لم يكن مُعداً الإعداد الجيد، ما استدعى إرجاء اتخاذ القرار بالموافقة أو الرفض، وهنا لا نتحدث عن جميع ملاحظات ديوان المحاسبة، حتى لا يأخذ الموضوع جانبه الفني البحت، فمن قام بإعداد تقرير الديوان جهات فنية قد يصعب فهمها على الشخص غير المعني في مجال الاستثمار، وهذا متروك للجهات الرقابية ممثلة بمجلس الأمة.

زيادة العجز الاكتواري

وفي النهاية، هذه أموال للشعب، ولعل من أهم وأولى الملاحظات التي أوردها الديوان، وعلى ضوء قراءته وفحصه لمجالات الاستثمار لأموال التأمينات والإيرادات الناتجة عنها، فإن العجز الاكتواري المتوقع للسنوات المقبلة سيزيد عجزا عن الاحتساب السابق لهذا العجز.. والمطلوب في النهاية أيدٍ في غاية الأمانة والصدق، وبعيدة عن أي شبهات أو أقاويل، وهذا ما نخشى عدم وجوده في تلك المؤسسة، كما بيَّنت الوقائع السابقة، عندما ينعدم الحرص على أموال المتقاعدين، وتكون أموال المؤسسة الكبيرة محل نفوذ مالي يمكن الاستفادة منه بصورة خاصة، وهذا ما أشار إليه د.فهد الراشد في بلاغه المقدم للنيابة العامة منذ سنوات.

Print Friendly, PDF & Email

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *