الرئيسية » عبدالله النيباري » عبد الله النيباري : شعارات إسلامية تمزق المجتمعات العربية

عبد الله النيباري : شعارات إسلامية تمزق المجتمعات العربية

عبدالله النيباري
عبدالله النيباري

في نهاية كل عام، وبداية عام جديد، يقف المحللون والمراقبون لتقييم أو جرد حساب العام الذي مضى، واستقبال العام الجديد بتوقعات وآمال، حول ما يمكن أن يحدث ويقع.

عن العام الماضي 2013، قال المحللون إنه أسوأ فترة مرَّت على المنطقة العربية عبر تاريخها، ويمكن أن تضاف إليها الأقطار الإسلامية في آسيا وأفريقيا.

شعارات إسلامية

العام 2013، اصطبغ بسيل الدماء في المجتمعات العربية، والإسلامية أيضاً، ولم يكن هذا السيل من دماء الضحايا ثمنا لمعارك مع قوى أجنبية أو لمواجهة استبداد محلي، بل سالت الدماء هدراً، نتيجة صراعات محلية دينية وعرقية وطائفية ومذهبية، يرفع مرتكبوها شعارات إسلامية ورايات جهادية، حيث يقدَّر عدد قتلى هذه المعارك بعشرات الآلاف، إن لم يكن بمئات الآلاف، وعدد المهجَّرين واللاجئين بالملايين، إلى جانب الرعب والخوف اللذين سادا هذه المجتمعات، وتعطل الحياة العادية وتوقفها في أحيان كثيرة.. أما جهود بناء مستقبل هذه الشعوب، فكان مآله التوقف، بل لم يعد هناك حتى مجرد التفكير به.

في بداية القرن قسمت المنطقة العربية، جغرافياً وسياسياً، وفقاً لاتفاقية سايكس بيكو بين بريطانيا وفرنسا بعد انتصار الحلفاء في الحرب العالمية الأولى، وبدئ بتنفيذ وعد بلفور، بإعطاء اليهود وطنا في فلسطين، وزرع بذرة الدولة الصهيونية التي تلتهم اليوم كل فلسطين.

وعاشت الأمة العربية وشعوبها عقوداً من الزمن تعاني نتائج تلك الاتفاقية، وتكافح للتخلص من هيمنة الاستعمار على مقدراتها السياسية والاقتصادية.

وكانت مطالب الشعوب تتركز في تحقيق الحرية والعدالة الاجتماعية، وتوظيف موارد البلدان، لتحقيق التنمية الاقتصادية والاجتماعية، وتقليص نفوذ الدول الكبرى وهيمنتها، والتخلص من الاستبداد المحلي.

تطرُّف وغلو

وجاءت بشائر الربيع العربي، بعد انفجار ثورات الشعوب في تونس ومصر وليبيا واليمن وسوريا، لتنعش الأمل في تحقيق الآمال العظيمة، ترجمة للشعارات والمطالب التي راودت أحلام الجماهير.

ولكن الرياح جرت بما لا تشتهي سفن الشعوب، وإذ بها تواجه شعارات جلبت من الماضي، ترفعها جماعات الإسلام السياسي، طابعها التطرُّف والتزمت والغلو في صيغة لإسلام جديد مختلف، وبعيد عن إسلام هذه المجتمعات، كما بلغ به النبي الأمين وصحابته الكرام.

الإسلام، الذي أشرق على الدنيا قبل أربعة عشر قرنا، حول المنطقة من شعوب وقبائل متناحرة إلى دول متماسكة أسهمت في إثراء الحضارة البشرية، لكن إسلام جماعات الإسلام السياسي الجهادية تعدنا بتفتيت المجتمعات العربية والإسلامية، وتعيدها إلى عصر الجاهلية الأولى.

ما نشهده اليوم في سوريا من انتشار جماعات الجهاد الإسلامي، حول انتفاضة الشعب السوري ضد استبداد حكم الأسد الجزار إلى اقتتال بين قوى المعارضة والاعتداء على الأطياف الشعبية، ولم يقتصر ذلك على المنتمين للأديان والطوائف الأخرى، بل اتسع، ليشمل أبناء الطائفة نفسها.

بديل أسوأ

فجماعة داعش (دولة العراق والشام الإسلامية) نصبت المحاكم في الشوارع، لتنفيذ الأحكام الفورية من أناس جهلاء ضد أناس أبرياء، وتمارس الجلد وقطع الرقاب والاحتجاز في السجون مع التعذيب الذي طال صحافيين عرباً وأجانب.

وبعد أن كان الزخم الدولي موجها ضد الأسد وحكمه، أصبح الحديث اليوم في الساحة الدولية عن مواجهته جماعات الإرهاب، ورصدت تصريحات من أطراف أميركية تقول بالتخلي عن شعار إبعاد الأسد، والبحث عن صيغة للتفاهم معه، لأن البديل قد يكون الجماعات الإرهابية، وهو بديل أسوأ.

في العراق، ارتفعت حدة الاقتتال الطائفي، وأصبح القتل على الهوية، فمسيحيو العراق، الذين يعدون جزءاً أساسياً من المجتمع العراقي ووجهوا بتفجيرات في كنائسهم، ما أدَّى إلى تهجيرهم.
لقد مضت عشر سنوات منذ إسقاط صدام حسين، لكنها سنوات غرق العراق في بحور من الدم، كما يقدر عدد المهجرين اللاجئين خارج العراق إلى مليونين، وما يزيد على المليون داخل العراق.
ضحايا الاقتتال الطائفي تقدر بما يزيد على ستة آلاف في سنة 2013 فقط، إلى جانب أن الناس تواجه شظف العيش في بلد يعد من أغنى بلاد العالم، بثرواته النفطية والزراعية، كما يجري إبعاد الشيعة عن المناطق ذات الأغلبية السُنية والعكس.

في ليبيا، تقول الأخبار إن الدولة عاجزة عن دفع مرتبات الموظفين والعمال، لأن الجماعات الإسلامية المتطرفة تسيطر على موانئ تصدير النفط، ما أدَّى إلى توقف التصدير، وحرمان البلد من الإيرادات التي تعتمد عليها ميزانية ليبيا، التي أصبحت ككيانات تهيمن عليها الجماعات المتطرفة المسلحة وكيانات مناطقية.

وها هو لبنان يعيش استمرار مسلسل الاغتيالات والانفجارات المفخخة، والاستقطاب الديني والطائفي، ويبقى بلداً بلا حكومة لشهور متوالية.

أما مصر، وهي البلد الأكثر تماسكاً اجتماعياً، والتي عاشت طوال تاريخها متماسكة بحكومة مركزية، لم تهنأ بإسقاط حكم حسني مبارك وتعيد مصر إلى مركزها القيادي في المنطقة، لكنها ووجهت بمخطط جماعة الإخوان والجماعات المتطرقة للعودة بالبلد إلى الحكم الشمولي، حكم الحزب الواحد أو الجماعة الواحدة، والهيمنة على مفاصل الدولة ومؤسساتها وأجهزتها وتحقيق مشروع أخونة الدولة، ما أدَّى إلى ثورة 30 يونيو التصحيحية، وبدلاً من إجراء مراجعة لمخططاتهم، مضوا في مشروع إعادة مرسي إلى الحكم، الذي يتبنى أسلوب تعطيل الدولة وإيقاف عجلة الحياة.

تجزئة المجزأ

ممارسات الجماعات الإسلامية المتطرفة يخشى أن تؤدي إلى مزيد من تقسيم المنطقة التي هي مقسمة تطبيقا لشعار تجزئة المجزأ.

وإذا كان مشروع سايكس بيكو قسم المنطقة، جغرافيا وسياسياً، فإن ممارسات الجماعات السياسية، سواء عن قصد أو عن جهل، تثير النزعات الدينية والطائفية والعرقية، وتحولها إلى احتراب وإقصاء الآخر، فما تفعله يؤدي إلى تفتيت وتمزيق المجتمعات، اجتماعيا وسياسيا، ويجعلها كصحن البلور المكسور الذي يصعب إعادته إلى شكله الأصلي.

Print Friendly, PDF & Email

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *