الرئيسية » قضايا وآراء » محمد الشحري : صفر أردوغان يتضخم

محمد الشحري : صفر أردوغان يتضخم

محمد الشحري
محمد الشحري

عندما أطلقت الحكومة التركية، برئاسة رجب طيب أردوغان، شعار «صفر مشاكل» مع دول الجوار، كان حزب العدالة والتنمية، آنذاك، يروّج لمبادئ السياسة التركية الجديدة، محاولا بذلك تطمين الشعب التركي من التزام الحزب بالنهج العلماني والابتعاد عن أدبيات حزب الفضيلة المُنحل، فقد نجا حزب العدالة من الحظر بقرار من المحكمة الدستورية في يوليو 2008، بتهمة قيادة البلاد نحو أسلمة المجتمع والابتعاد عن النظام العلماني، وقد جنبه حكم المحكمة الوقوع في المصير ذاته الذي انتهى إليه حزبا نجم الدين أربكان، وهما حزب الرفاه وحزب الفضيلة، ولهذا تبنى أحمد داود أوغلو مهندس السياسة التركية الجديدة، عدة مبادئ منهجية وعملية لسياسة تركيا الخارجية، ومن ضمن تلك المبادئ التوازن بين الأمن والديمقراطية، على اعتبار أن شرعية أي نظام سياسي تأتي من قدرته على تأمين الأمن والحرية على السواء لمواطنيه، وهذا الأمن يجب ألا يأتي على حساب الحريات وحقوق الإنسان في البلاد، وفق تعبير داود أوغلو.

طبعا كان هذا الطرح قبل الاعتداء الإسرائيلي على سفينة مرمرة التركية، والذي كسبت به تركيا تأييد الرأي العام في العالم الإسلامي، إضافة إلى موقف أردوغان وانسحابه من مؤتمر دافوس، احتجاجا على عدم منحه الوقت للرد على الرئيس الإسرائيلي شيمون بيريز.

سبقت تلك الأحداث احتجاجات الربيع العربي، التي ظلت فيها تركيا صامتة تجاه احتجاجات تونس ومصر، وحتى في ليبيا فهمت تصريحات أردوغان على أنها مؤيدة للنظام الليبي، وللرد على تلك الاتهامات، قال رجب أردوغان أمام النواب الأتراك في مارس 2011 «لسنا مع النفط، ولا نريد لتجار الأسلحة أن يكسبوا من اقتتال الإخوة»، لكن هذا الموقف تبدل، عقب انطلاق الاحتجاجات الشعبية في سوريا، والتي أيدها أردوغان، قولا وفعلا، بفتح حدوده البرية لتدفق الأسلحة القادمة من ليبيا إلى المسلحين في سوريا، مضحيا بالنظام السوري الذي بنى معه علاقات قوية تطورت إلى إلغاء التاشيرة بين البلدين، وكان أردوغان قد توقع سقوط النظام السوري سريعا وأراد الاستفراد بالكعكة الشامية، ونالت أنقرة حظها من الصراع الدائر بين النظام والمسلحين في سوريا، بإسقاط طائرة حربية تركية ووفاة مواطنين أتراك في المناطق الحدودية التركية – السورية، وبذلك، انتهت مقولة صفر مشاكل مع الجيران، حيث فترت العلاقات الإيرانية – التركية، بسبب سوريا، ثم توسعت مشاكل تركيا بعد عزل محمد مرسي في مصر حليف أردوغان، وفقدت أنقرة التأييد السعودي، أحد أبرز حلفائها في المنطقة، بعد تأييد الرياض لقرارات السيسي.

هذا بالنسبة للصفر الخارجي، أم الصفر الداخلي، فقد سجلت انتهاكات واسعة ضد حرية الرأي والتعبير، حيث أودع عشرات الصحافيين في السجون، وقُمِعت الاحتجاجات المعترضة على تحويل حديقة غازي العمومية في إسطنبول إلى مجمع تجاري، وأتهم أردوغان المتظاهرين بالتطرُّف، ولكن الورقة التي ستحرق سياسات حكومة حزب العدالة والتنمية هي ورقة الفساد، التي فاحت ريحتها أخيراً من أروقة الحكومة التي استقال منها ثلاثة وزراء، واتهم ابن أردوغان بالضلوع في القضية التي ستنهي – ربما – مبكرا حياة أردوغان السياسية، وبذلك، تضخمت المشاكل في تركيا، ولم تعد صفرا، بل أصبحت أرقاما وإحصاءات تكشف إخفاقات حزب العدالة والتنمية.

يحسب للحزب إنجازات اقتصادية، منها تحسين مستوى المعيشة والدخل، لكن أهم انجاز يحسب لحكومة أردوغان هو إضفاء الطابع الإسلامي على وجه تركيا والعزف على وتر الإمبراطورية العثمانية، وإخراجه للمؤسسة العسكرية من الساحة السياسية التركية التي تحكم فيها الجيش عقودا من الزمن.

Print Friendly, PDF & Email

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *