الرئيسية » قضايا وآراء » ناصر العطار : إلى رئيس مصر القادم

ناصر العطار : إلى رئيس مصر القادم

ناصر العطار
ناصر العطار

من منكم يحبها مثلي أنا؟ هذا سؤال غنته كوكب الشرق في رائعتها الخالدة «مصر التي في خاطري».. سؤال جاء في عام 52، ووجد إجابته في نضال دام أقل من عشرين سنة بقليل، بدأ بنيل المصريين حقوقهم في أرضهم، وانتهى بإصرارهم على استعادة كل أراضي أمتهم، وما بين البداية والنهاية انتصار ووحدة وانكسار وفرض للوجود وتأثير للدور وارتباط في الأمة وأمنها القومي واتصال مع العالم ودعم للإنسانية وللحرية، كان جوابا يعكس حب مصر في القلب، ويعكس فهمها قبل حبها، عُطل النضال أربعين سنة، وضاعت حقوق المصريين، وتاه دورهم، ومعه تاهت أمتهم في غياهب الفساد والاستبداد والحروب الداخلية والطائفية، في حال يعكس ما نظمه شاعر النيل في قصيدة مصر تتحدَّث عن نفسها: أنا إن قدر الإله مماتي لا ترى الشرق يرفع الرأس بعدي، إلى أن جاء عام 2011 ثم 2013 يحملان ثورتين، أعلن فيهما الشعب المصري عن وجوده وأمنه وحقوقه، أعلن فيهما أن ما تصورناه قد انتهى لم ينته ولا يمكنه أن ينتهي، حيث يشهد النيل على خلودها، والأهرامات على قدرتها، وبرج القاهرة على كرامتها، والسد العالي على عقلها، تشهد على صدق وإخلاص قيادتها للصراع العربي – الإسرائيلي مذكرات آرييل شارون الصادرة أخيرا التي تتحدث عن خطر حقيقي شعرت به إسرائيل في خمسينات وستينات القرن العشرين، جراء هذه القيادة التي لم تفرط بالحقوق، ولم تتلاعب بالعقول.

مضت ستون سنة على السؤال الذي غنته كوكب الشرق، ووجدت له إجابة، فما السؤال الذي أعتقد – بتواضع – وجوب طرحه بعد ثورتين متتاليتين قامتا في غضون سنتين، أقول باحترام، هل من القادمين للرئاسة من يفهم مصر؟ يفهم لماذا صبر المصريون على حكم الإخوان المسلمين سنة واحدة فقط، فيما صبروا أربعين سنة قبلها على عهدين عطّلا النضال وأضاعا الحقوق وفتحا الأبواب للإخوان المسلمين؟ إن خداع الناس لا يمكن له أن يطول، وإمعان التلاعب في عقولهم ورزقهم يولد تراكمات تؤدي إلى وضع حد لصبرهم وكسر لخضوعهم واستنهاض لهممهم، وقد كان معنى اختيار محمد مرسي لرئاسة الجمهورية، هو أن مصر وصلت لمرحلتين متناقضتين، لا يمكن لهما أن تستمرا، من ناحية قد كان الاختيار بديهيا، لأن الإخوان المسلمين كانوا جاثمين على الصدور والعقول، بفضل سياسة فتح الأبواب لهم في مصر وفي الأمة كلها، ولم يكن بالإمكان إعادة الاعتبار للفكرة الوطنية وتأهيل بديل حقيقي يجسّد الآمال بسرعة قصوى، أما من ناحية ثانية، فإن الاختيار يعني استمرارا لتعطيل نضال مصر، وإلغاء لدورها وتلاعبا في أمنها، فهل يظن أحد أن صمت المصريين كان ممكن أن يطول أكثر؟ هل كان من الممكن أن يصمت المصريون على تشدد فرقهم وتطرف قتلهم والسماحة تجري في دمهم والمحبة تشكل طبيعتهم؟ هل كان من الممكن أن يصمت المصريون على رعونة مست أمنهم القومي في سوريا وأفريقيا ونهر النيل؟ هل كان من الممكن أن يصمت المصريون على تجهيل طال عقولهم بعد أن أشرق نور شبابهم؟ هل ممكن أن تفوت كل هذه الأحوال المستجدة على الرئيس القادم لمصر، أيا كان هو؟

إن الرئيس القادم لمصر – وأنا لست مصريا لأختاره – أمامه التحديات كثيرة وكبيرة، أهمها أن يكون قارئا متمعنا لأحوال دقيقة تمر بها مصر وأمتها، حيث لا انفصال بين أمنهما ولا قطيعة بين مصلحتهما، وهذا ما يدعو غير المصريين، عربا كانوا أم أجانب، للاهتمام بالقاهرة، وكل له مصلحة خلف اهتمامه بها، أما في تعطيلها وتكبيلها أو في نهضتها ووضع الأمل معها وبها، أو في جعلها مصدرا لخطر داهم يهز مصلحة خاصة، لذلك كله، فإن مصر في دائرة الاهتمام الدائم وهي الآن وبصرف النظر عن العثرات والصعوبات، بيد شعبها، ودعامة لا يستغنى عنها لأمتها، والفهم يُضاعف الحب.

Print Friendly, PDF & Email

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *