الرئيسية » قضايا وآراء » محمد الشحري : إصلاح المؤسسات الدينية لإنهاء الطائفية

محمد الشحري : إصلاح المؤسسات الدينية لإنهاء الطائفية

محمد الشحري
محمد الشحري

لم تعد المرجعيات الدينية الإسلامية بمنأى عمَّا يحدث في المنطقة من تأجيج طائفي بين المذاهب الإسلامية، إلى تصاعد اللغة المحرضة بين المذاهب والفرق الدينية، بل إن بعض المؤسسات الدينية هي التي أوصلت المنطقة إلى الاحتقان الطائفي، منذ أن دخل بعض رجال الدين ومؤسساتهم إلى بلاط السياسة، وتقربهم من ولي الأمر المطاع في الحق وفي الباطل، وتحريم الخروج عليه، ولي الأمر المستمد لشرعيته من الوعّاظ الذين ساهمت فتاواهم في تمزيق جسد الأمة الإسلامية، وعوض أن يكونوا لبنة بناء، تحوَّلوا إلى فؤوس هدم ومعاول تدمير، متناسين أن الدين الإسلامي دين رحمة ودين محبة وسلام، وأصبحت كل طائفة ترى أنها على الحق وأن الآخرين على ضلال.

صحيح أن البعض يرى أنه لا يمكن إصلاح المؤسسة الدينية بمعزل عن الإصلاح السياسي، لكن الإصلاح السياسي ربما يتأخر، لكنه سيأتي بالضغوط الغربية والهيئات الدولية، أما المؤسسة الدينية، فبقاؤها على النهج الذي يُسيّرها الآن من تشدد وتطرُّف ومحاولة إلغاء الآخر، لن يجلب للمسلمين إلا حروباً دينية، ربما تكون مشابهة لتلك التي دمرت أوروبا في القرن السادس عشر، فمن يحلل خطاب بعض القنوات الفضائية الدينية، وبعض المنتديات الإلكترونية يجد اللغة التحريضية التي تغشي القلوب وتعمي الأبصار، وهي مقدمة لإهدار الدماء، المجسدة الآن في الساحة السورية، فقد سرق التطرف الديني الشيعي والسني ثورة الشعب السوري المطالب بحريته وحقوقه، وهي مطالب مشروعة لا يختلف عليها اثنان، وتحوَّلت الاحتجاجات الشعبية إلى ثورة مسلحة، بعد تدويل القضية السورية، التي أصبحت ساحة لتصفية الحسابات والصراعات السياسية والدينية بين السعودية وإيران تحديدا.

يسهل على المرء أحيانا تقديم اقتراحات لحل قضية من القضايا، لكنه عمليا سيصطدم بالواقع، وخاصة إذا كان الطرف الآخر يعتقد بأنه يستمد شرعيته من الله، وأن يقاتل ويحارب ويسفك دماء المسلمين، لإعلاء كلمة الله، استنادا -وفق زعمهم- إلى الآية الكريمة (وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنْ المُؤْمِنِين اقْتَتَلُوا فَأصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلى الأخْرَى فَقَاتِلُوا الّتِي تَبْغِي حَتّى تَفِيءَ إلى أمْرِ اللهِ)، لكن المتعصبين لا يرون أن الإصلاح مقدم على القتل، إضافة إلى أن المنادين بالقتل هم أنفسهم جزء من الصراع، وبالتالي هم ليسوا في موقع الحياد للحكم على الطائفة التي بغت.

إن التحاور بين المذاهب الإسلامية يجب أن يُقدم الآن على الحوار بين الأديان الذي نادت بها بعض الحكومات في المنطقة، لترفع عن نفسها تهمة معاداة الغرب، وعلى علماء المسلمين اتخاذ قرارات حقيقية لمصلحة الأمة الإسلامية، بعيدا عن الآراء السياسية التي يصرح بها بعض العلماء، والتي لا تمثل إلا مواقفهم الشخصية، والتي يجب ألا تنسحب على عموم الأمة، كما يجب إصدار قوانين في كل بلد تُجرم المسيئين لمشاعر الآخرين بصرف النظر عن مذاهبهم أو أفكارهم، وأن تُضمن الدساتير والأنظمة الأساسية حقوق الأقليات وحرية معتقداتهم.

Print Friendly, PDF & Email

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *