الرئيسية » أحمد الخطيب » أحمد الخطيب : «فقدان الثقة»

أحمد الخطيب : «فقدان الثقة»

أحمد الخطيب
أحمد الخطيب

«فقدان الثقة».. كتاب من سلسلة كتب بدأت تظهر في الساحة الأميركية، تعري الوضع السياسي الفاسد في أميركا، والذي أصبح يكلفها كثيراً من سمعتها وأبنائها، من قتلى وجرحى، علاوة على البلايين التي صرفت وتصرف في أفغانستان والعراق من دون جدوى.

قوى الفساد في أميركا متحكمة بالسياسة الأميركية، والرئيس الأميركي الأسبق إيزنهاور حذر منها في خطابه الوداعي الشهير في الكونغرس وسماها بـ «Military Industrial Complex»، أي تحالف العسكر والصناعيين.

ويأتي مؤلف هذا الكتاب، ليفضح هذا التحالف بالتفصيل، كما شاهده خلال عمله كضابط مميَّز في الجيش الأميركي، لقد حارب في فيتنام والعراق. هاله الفساد المستشري في المؤسسة العسكرية الأميركية، وأضاف بعض المقاولين الأميركيين الكبار إلى القائمة التي أشار إليها الرئيس الراحل إيزنهاور، باستيلائها على بلايين الدولارات بأسلوب فج ووقح، من دون رادع، علاوة على تدني الالتزام بمعايير الحروب، فسلوكيات الجيش الأميركي لم تعد تحترم القواعد الدولية في معاملة الأسرى والجرحى، ومسؤولية احتلال أراضي الغير.

هذا الكتاب يحكي هذه المآسي بحوادث شاهدها بنفسه.

وأكثر من ذلك، صار يعتقد بأن الجيش الأميركي يعد الجيش الإسرائيلي أمثولة له يحتذى بها، كاعتماده القتل المباشر لمن يشتبه بهم من دون محاكمة أو اتخاذ التدابير الكافية لحماية الأبرياء، تماما كما يفعل الإسرائيليون في ما يسمونه علانية وبكل وقاحة «Targeted Assasination».

وأعتقد بأن الفضل في هذا يعود إلى السيد جون بيركنز (John Rerkins)، الذي كان يعمل كمستشار في الجدوى الاقتصادية للمشاريع في البيت الأبيض في كتابه الشهير «اعترافات قاتل اقتصادي»، حيث يذكر هذا الكتاب بالتفصيل كيف يتآمر البيت الأبيض مع البنك الدولي وشركات النفط والـ «CIA» لتدمير الدول الفقيرة، وخصوصا دول أميركا اللاتينية، لتمكين شركات النفط من توفير الكهرباء لنشاطها بإقامة السدود، من دون أي اعتبار لوقاية البلد من تدمير الأنهار والمزارع، ما يسبب تشرد الأهالي، بسبب فقدانهم مصدر رزقهم، وكيف أنهم يدبرون الانقلابات العسكرية ضد من يعترضهم من حكام، كما يذكر كيف أنهم قتلوا رئيس جمهورية مواليا لهم عندما طلب مشاركة مقاولين محليين في مشاريعهم.

كتب كل هذه الأسرار بضغط من ابنته الناشطة الإنسانية، بعدما تعهدت له بأنها ستكمل كتابه، إن قامت الـ CIA بقتله كعادتها في التعامل مع من يتجرأ ويفضح جرائمها.

جوليان أسانج وسنودن

جوليان أسانج، مؤسس موقع «ويكيليكس»، أخذ ينشر ما تقع عليه يده من وثائق سرية مدمرة لسمعة أميركا تكشف حقيقة أعمالها.. وعلى الرغم من مطاردته من السلطات الأميركية، فإنه مستمر مع معاونيه بنشر كل ما يقع بيدهم من وثائق، وكذلك، فإن سنودن (Snowden) كشف نشاط الوكالة الأميركية المتخصصة في مراقبة البلايين ممن يستعمل وسائل الاتصالات في العالم كله من رؤساء دول، وسياسيين، وشركات، حتى الأفراد العاديين، وها هي أميركا تلجأ إلى كل وسائل التهديد للدول التي يحاول اللجوء إليها.

حملة مكارثي

بالطبع، كانت هناك محاولات كثيرة لتعرية هذا النظام من قبل الشعب الأميركي وغيره من الكتاب، وحققت بعض الانتصارات، كوقف حرب فيتنام، لكنها لم تستمر، وكان يعد كل من ينتقد النظام في أميركا من الليبراليين واليساريين شيوعياً، وهذا كاف لإعدامه شعبياً، وكانت حملة مكارثي تتويجا لهذا الفكر الخطر. ومن الواجب ذكر بروفيسور اللغات في جامعة (M.I.T)، وهي من أشهر جامعات العالم، نعوم تشومسكي، في كتاباته التي تفضح جرائم النظام الذي ظل صامداً، على الرغم من الحرب الشعواء التي تعرَّض إليها.

كارثة العقار في أميركا، التي دمَّرت اقتصاد العالم كله، وحوَّلت الطبقة الوسطى الأميركية إلى الطبقة الفقيرة، بعد أن فقدت مصدر رزقها، فخسرت بيوتها وتحوَّل 99 في المائة من الشعب الأميركي إلى فقراء و1 في المائة إلى بليونورية، نبهت الشعب الأميركي لطبيعة النظام الرأسمالي الجشع المسيطر على مقادير البلد.

كتاب اعترافات قاتل اقتصادي كان له رد فعل مذهل، فقد بدأ الشرفاء في كل المرافق الحكومية والدولية بنشر ما عندهم من وقائع مؤلمة، حتى مدراء في البنك الدولي، وقد جمع السيد بركن معظم هذه الاعترافات بكتاب ثان.
«فقدان الثقة» للجنرال «Andrew Bacevich» صدر قبل شهرين تقريباً، له أهمية خاصة، هو جنرال أميركي حارب في فيتنام والعراق، وحصل على عدة ميداليات شرف لتميزه. درس التاريخ والعلاقات الدولية، وهو الآن بروفيسور يدرس في جامعة بوسطن، وله عدة مؤلفات.

هذا الكتاب يحكي عن تجربته في العراق، حيث تعرف على العلاقة الوطيدة بين بعض المقاولين الأميركيين الحرامية والجيش في سرقة بلايين الدولارات في الأعمال التي يقومون بها لنشاط الجيش الأميركي، وقد شاهدنا نحن جزءاً منها عندما عرضت على مجلس 1992 فيها مناقصة قيمة ربطة الخس بثمن قطعة من الذهب، وكانت حجة التاجر الكويتي أن هذه هي أسعاري، ولم أجبر الجيش الأميركي على شرائها.

كما تعرض الكاتب إلى الأعمال الوحشية، التي يقوم بها بعض العسكريين، ما يعد انتهاكا لكل السلوك العسكري وقواعد التعامل مع مواطني الدول المحتلة، كما تنص المواثيق الدولية.
لقد أضاف اسم شركات المقاولين الكبار إلى التحالف العسكري الصناعي الذي حذر منه الرئيس إيزنهاور.
فائدة أخرى لهذا الكتاب، هو نشره قائمة طويلة لعدد من الكتب التي صدرت حتى الآن، وبعض المؤسسات والمواقع المهتمة بنشر المعلومات في هذا المجال، الذي يكشف هذا التآمر على الشعب الأميركي والعالم، وهذا معظمه موجود في نهاية هذا التلخيص.

فزعة مسببة

الاحتفالات الكثيرة، التي عمَّت أميركا، بمناسبة ذكرى اغتيال الرئيس الأميركي كيندي كانت لافتة للنظر، لأنها تبرز للمرة الأولى منذ اغتياله، فما أسباب هذه الفزعة؟
كيندي كان أصغر رئيس جمهورية عمره 43 سنة، فهو صغير السن لهذا المنصب المهم، وهذا يعد بدعة عند الأميركان، كذلك كان أول رئيس كاثوليكي، وهذا كفر بالنسبة للأغلبية البروتستانتية الأوروبية الحاكمة، وهو كذلك من الأقلية أيرلندية.

نجاحه في الوصول إلى الرئاسة، على الرغم من كل هذه القيود، كان انتصاراً لجميع المهمشين في أميركا، وأمل الشباب الأميركي الذي ضاق ذرعاً من العادات القديمة البائسة المسيطرة على الحياة الأميركية.. هذه الصفات أزعجت الحرس القديم، فكان طبيعياً أن يعد الشعب الأميركي أن ما حدث مؤامرة مدبرة من قوى الفساد المسيطرة على المجتمع الأميركي الذي أصيب الهلغ لنجاحه، وخصوصاً أن القتل كان في ولاية تكساس، مرتع التخلف والعنجهية والعنصرية المفرطة والبترول.

إصرار ولاية تكساس على الانفراد بالتحقيق عزز هذه النظرية.

قتل القاتل وهو في حيازة الأمن يذكر الناس في أسلوب المافيات بقتل الشهود أو حتى القضاة.

هذا التوجه لإحياء ذكرى اغتيال كيندي سببها الجو العام الواعي الذي بدأ يسود العالم المنتفض ضد التهميش والاضطهاد والحرمنة وسيطرة القلة على الأغلبية..
هذه الفزعة يتزعمها أشخاص كانوا جزءاً من هذا النظام العالمي الفاسد، بعد أن رأوا بأم أعينهم خطورته على أوطانهم، لا، بل على البشرية جمعاء، وبعض منهم شعر بالذنب لمشاركتهم في هذا الإجرام، إلا أن هذا النشاط المشكور ليس هو القصة الكاملة، فالبعض يعتقد بأن هذه الصحوة أو الفزعة جاءت متأخرة كثيراً، لأن هناك تحركاً أكبر وأكثر فاعلية بدأه شباب أميركا بعد الحرب العالمية الثانية مباشرة ضد بعض سياسات دولتهم، وتعد رواية «الحارس في حقل الشوفان» (The Catcher In The Rye) للكاتب جي دي سالينغر (J.D Salinger) بداية هذا التمرد الشبابي الذي تبلور في ما بعد بما سمي «Generation WE».

وكانت أول ظاهرة شاهدها العالم، هي فاعلية هؤلاء الشباب في وقف طبول حرب فيتنام، وامتدت هذه الظاهرة إلى دول أخرى.

دور كبير ومؤثر

ففي فرنسا، ركزت حركة الشباب الجامعي على المطالبة بتغيير النظام التعليمي والصحي، وقد تحقق ذلك، ففرنسا الآن هي الأولى في العالم بنظامها الصحي، وكذلك، فإن إنجازاتها العلمية جعلتها من الدول الكبرى في العالم.

أما في بريطانيا، فإن حركة الهيبز والبيتلز جاءت لنسف التقاليد الاجتماعية، التي تعكس تغطرس الطبقة الحاكمة وتقاليدها الاستعلائية بشكل مقزز..

هذا الوضع الديمقراطي المخادع كشفه الكاتب والسياسي البريطاني المشهور Anthony Samson في كتابه Anatomy of Britain، وذكر بأن ما يحكم بريطانيا هي عائلات أرستقراطية تلتقي في أندية اجتماعية مميزة، وهي التي ترسم سياسة بريطانيا بمعزل عن المؤسسات الرسمية.

وبالمناسبة، فهذا الكاتب هو أيضا صاحب كتاب «الأخوات السبع» الذي يسلط الضوء على العلاقة الحميمة بين شركات النفط الكبرى وتحكمها بالأسعار لصالحها، وهو الكاتب الذي كلفه مانديلا بكتابة مذكراته، وله عدة كتب أخرى مهمة.

بالطبع، كثيرون لا يعرفون سبب ظهور هؤلاء الشباب والشابات بثياب رثة وقذارة واضحة، واعتبار الشوارع سكناً لهم، يمارسون فيها عادات تعبّر عن احتقارهم لما هو سائد من ثقافة عامة.

هذه الثورة الشبابية طورت الثقافة بكل أبعادها الفنية – من غناء ورقص ومسرح وشعر ومؤسسات مدنية – لحماية المشردين والمضطهدين ونشر المحبة والسلام والكرامة.

واستطاعت، أيضاً، مجموعات البيئة – الخضر – الوصول إلى البرلمانات، لا، بل بعضها كما في ألمانيا وصل إلى الحكم، وبعضهم تبنى مرشحين قريبين من تفكيرهم، مثل توني بلير، الذي هدم الهرم الطبقي، وأدخل إلى مجلس اللوردات فنانين ورياضيين وغيرهم من الطبقات الشعبية، لكنه انهزم مع حزبه عندما تخلى عن خطه، واعتبر مارغريت تاشر مثلا له في سياساتها الاقتصادية المدمرة.

.. ودور حاسم وجازم

أما في أميركا، فقد كان الشباب والفئات المهمشة هم من أوصلوا كيندي إلى الحكم، وكذلك أوباما، بعد أن نشر مبادئه في كتابه الذي صدر قبيل الانتخابات، فتجاوز عدد أعضاء الحركة الشبابية الملايين، الذين عملوا ليل نهار، لإنجاحه وجمعوا التبرعات لحملته الانتخابية، ومع أن الأغنياء والدينيين كانوا ضده، إلا أن ما جمعه الشباب لحملته من مال كان تاريخيا، لأنها زادت على النفقات الكثيرة للحملات الانتخابية المكلفة، لكن الشباب خذلوه وحزبه بعد سنتين عندما سعى إلى التنازل عن أهدافه لمحاولته التفاهم مع الحزب الجمهوري، فكانت الخسارة مدوية لمرشحي الحزب الديمقراطي في الانتخابات الوسطية هذه، ووصلت شعبيته إلى الحضيض.

جاءت الكارثة الاقتصادية لتعري الحزب الجمهوري والنظام الاقتصادي الفاسد، الذي زاد الأغنياء غنى، وزاد الفقراء فقراً، عندها شرب أوباما حليب السباع وسل سيفه بوجه هذا الظلم، متناغما مع حركة الشباب المسماة «Occupy Movement»، التي أعلنت عن عزمها احتلال سوق الأوراق المالية رمز الفساد الاقتصادي.

هنا كسب تعاطف الشباب مرة ثانية وأرجعوه إلى الحكم بفوز مظفر.

حركة عالمية

الآن، الحركة الشبابية أصبحت عالمية ومتعاونة، وتواجه الطغاة في العالم كله في معركة شرسة، وتواجه أشكالاً عديدة من الأفكار والمؤسسات الموغلة في الفساد والجهل والرعونة، إلا أن انتصارها في إشاعة الكرامة الإنسانية أصبح واضحاً، ويكفي أن نذكر أن ما يهز الصين حاليا هي حركة أمهات ضحايا مجزرة تيانمن سكوير عام 1989 عندما داست الدبابات مجاميع الطلبة المعتصمين في هذه الساحة بشكل سلمي.

انتفاضة هؤلاء النسوة قبل عام، بعد أن صمتن كل هذه السنين كان بسبب الربيع العربي كما صرحوا بذلك.

هذه الحركات الشعبية في العالم استعرضتها في مقال سابق ولا داعي لإعادة ذكرها.

وأخيراً، إن المتابع لما يجري في العالم كله من أحداث يشعر بالسعادة، لكونه يشاهد أكبر حدث تاريخي لتصحيح مسار البشرية.

Print Friendly, PDF & Email

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *