الرئيسية » قضايا وآراء » حبيب السنافي : ما بين الدولة والسلطة

حبيب السنافي : ما بين الدولة والسلطة

حبيب السنافي
حبيب السنافي

الصراع على السلطة في المجتمعات الإنسانية لم يهدأ يوما ما، واتخذ أشكالا عديدة، قومية ودينية واقتصادية، واختلفت ما بين الانقلابات البيضاء إلى الثورات الشعبية وحمامات الدم العسكرية.. وكل ذلك لتكون الصولة والجولة والحكم والقرار بيد من يعتلي العرش، وتصطف الطوابير المقهورة، لتحيته وإلقاء النظرة على سحنته البائسة.

هذا الوضع السابق يمكن القبول به إلى ما قبل قيام الدولة بتعريفها الحدث المعتمد أساسا على سلطة القانون الأسمى/ الدستور، وعلى مبادئه الإنسانية وقواعده الموضوعية وضوابطه في توزيع قوة السلطة على أركان الدولة، المتمثلة بالسلطات التشريعية والتنفيذية والقضائية.

وفي خضم هذا الصراع، تلتبس الأذهان عند دمجها مفهوم الدولة ومفهوم السلطة، كمفهوم مشترك، عند محاولتها تقييم وتحليل الأحداث. فالمواطن الكويتي عندما يبدأ مطالبته بتوفير الخدمات وتحسين جودتها وسرعة إنجازها يوجه أصابع الاتهام إلى الدولة وينعتها بأقسى النعوت، ويكيل لها ما في صدره من غل، وكأنها السبب في كل اخفاقاتنا وعجزنا، وأنها الحائل والمانع نحو الإنجاز والتطوير.

فنتوجه إلى مؤسساتها البرلمانية والتنفيذية والقضائية، ونعيب عليها، حتى نكاد نفقد الثقة بها، وينعدم الأمل وينقطع الإصلاح وتهوي المواطنة بأعيننا، ونحاول إيجاد الملاذ بأي شكل طائفي أو قبلي.

لنستمد منه الشعور بالأمان والقوة، في مقابل الوهم بجور الدولة وتعسفها، لأن الدولة هنا – وهي ملاحظة مهمة – تعاني فشل السلطة التي تديرها، والتي أضحى لديها مؤسسات فساد وإفساد مقابل مؤسسات الدولة.

فإضعاف مؤسسات الدولة وتشويه صورتها وإفراغ فاعليتها وتحبيط موظفيها، إنما يتم عمدا، لديمومة السلطة وكفر صاحب القرار بالعبث بمصالح الدولة لحساب مصالحه الشخصية ومحيطه الضيق.

الخطورة الجسيمة عندنا بدأت باستغلال بعض افراد السلطة، لمكانتهم الاجتماعية وثرواتهم المشبوهة بالعبث بمقدرات البلد ومستقبله، من دون اعتبار أن السلطة ركن من أركان الدولة، فأمست سلطتهم أرفع من سلطة الدولة، وقرارهم لا تعقبه سلطات الدولة ومحاسبته، بعد ان نجحوا في زرع النزاع بين المعارضة ومؤسسات الدولة القضائية، وتوجيه العصيان والتمرد والتظاهر، ليس ضد سلطة الفساد ورموزه، بل ضد سلطة الدولة ومؤسساتها، فحرفوا بوصلة المعارضة، بعيدا عن مكامن الخلل ومواطن العفن عند السلطة، صاحبة القرار، وهذا ما نراه جليا في محاولة السلطة – وليس الدولة – لوضع المعارضة في مواجهة أحكام القضاء النزيه، مع ان السلطة نفسها هي المسؤول والمتهم الحقيقي الذي الهب الشارع، وجير غضبه ضد الدولة، بعد ان أحبطت آماله لإنجاز التنمية.

ان الدور الحقيقي لمؤسسات الدولة وفاعليتها، يستمد من بسط سيادتها وتطبيق قوانينها على السلطة المسؤولة – التي تدير المجتمع – وخضوع السلطة لإرادة الدولة المعبرة عن إرادة أفرادها، فقوانين الدولة ودستورها حاكمة موجهة لها، مشرفة عليها تحدد صلاحيتها، منعا للطغيان والاستبداد، وعلى السلطة ان تعي ان محاولاتها المكشوفة للنيل من مؤسسات الدولة وأركانها لن يزيد رصيدها او يعاظم شعبيتها، فالولاء لم يكن يوما للسلطة المتداولة، بل هو للدولة وشرعيتها الدائمة.

Print Friendly, PDF & Email

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *