الرئيسية » سعاد فهد المعجل » سعاد فهد المعجل : تدهور مخيف في ثقافة النزاهة

سعاد فهد المعجل : تدهور مخيف في ثقافة النزاهة

سعاد فهد المعجل
سعاد فهد المعجل

الجميع يتحدث عن الفساد المنتشر في البلاد بشكل أحبط نفوس الناس وملأها باليأس من إمكانية مكافحة هذا الغول، والحد من جشعه واستفحاله.

المقالات والكُتاب والدولة، بل وحتى الفاسدون أنفسهم ومؤسساتهم الإعلامية، يتحدثون عن الفساد وضرورة ملاحقته وقمعه.

الكل يتناول الفساد، كما لو كان قضية يمكن معالجتها من خلال إنشاء جمعيات، كالشفافية وحماية المال العام وغيرها.

الفساد يا سادة نهج، وليس سرقة هنا، ومناقصة فاسدة هناك، وواسطة بينهما، وتعد على القانون.

ومواجهة مثل هذا النهج لا تكون إلا بنهج إصلاحي يشمل القمة قبل القاعدة. بغير ذلك، يبقى الفساد ومؤسسته هو القاعدة.

المضحك هنا أن الدولة، ومنذ عام 2006، قد رفعت شعار محاربة الفساد، لكن ومنذ انطلاق هذه الحملة الحكومية تضاعف الفساد وزادت سلطة مؤسساته بشكل مرعب.

حتماً إذن هناك خطأ في آلية ونهج مواجهة الفساد ومحاربته.. فعلى الرغم من مشروع الحكومة لمواجهة الفساد، هناك أيضاً افتتاحيات الصحافة الكويتية ومقالات عشرات الكُتاب، وتحذيرات البنوك والمؤسسات المالية، وتوقعات المستشارين والعارفين ببواطن الأمور، كلها تحذر من غول الفساد، وتستعرض طبيعة تغلغله في سائر شرايين الدولة ومؤسساتها.

المشكلة الحقيقية اليوم ليست في الفساد كغول مدمر، وسرطان مستفحل وحسب، وإنما هي كذلك في حالة اليأس التي أصابت الناس، جراء غياب العقوبة والمتابعة في قضايا الفساد الواضحة، فالناس تسأل يوميا ماذا حدث في فضيحة هاليبرتون وتهريب الديزل، والمباني والمجمعات المخالفة؟ ماذا حدث في قضية أبوفطيرة واستيراد المياه من إيران؟ ما آخر تفاصيل فساد مناقصات إعمار العراق، وقبلها إعمار الكويت بعد الغزو؟ ماذا حدث من سرقات وزارة الدفاع ومناقصة توريد «الخس» الشهيرة؟ ماذا حدث لجريمة الإيداعات؟ ماذا حدث من شبهات السرقة في مؤسسة التأمينات؟ وما تفاصيل مخالفات المنطقة الحرة؟ وأين ذهبت مليارات التنمية؟ وماذا عن فساد البلدية؟.. وغير ذلك الكثير، ماذا حدث لكل قضايا الفساد التي تم كشفها؟ هل اكتفت الحكومة بالكشف عنها فقط، أم أن مصيرها هو مصير سرقات الناقلات، والاستثمارات؟

محاربة الفساد ليست في إنشاء هيئات تتمتع بالمسمى فقط، وتعقد اجتماعات دورية تنشر الصحف تفاصيل ما دار فيها، مصحوبا بصور للمجتمعين، وإنما هي مواجهة صارمة لنهج الفساد بنهج آخر يسعى لعلاج التدهور المخيف في ثقافة النزاهة أولاً، وإعادة بناء القيم الاجتماعية والعملية والمرجعيات الراعية والموجهة للسلوك، وخلق توازن معقول بين الحقوق والواجبات، والحد من المركزية والبيروقراطية في الحكومة، التي تعد الحاضن الأكبر للفساد.

إن الخطر الأكبر من الفساد اليوم هو في ما نشهده من إحباط من مشاعر الشباب الذي أصبح غير قادر على تحقيق ذاته وأهدافه في أجواء عمل مشروعه، ما قد يدفعه إلى الانخراط في مجالات وأسواق غير مشروعة، عندها تتحوَّل مشكلة الفساد من أزمة إلى كارثة ثقافية ومجتمعية.

Print Friendly, PDF & Email

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *