الرئيسية » حبيب السنافي » حبيب السنافي : وداعاً نيلسون مانديلا

حبيب السنافي : وداعاً نيلسون مانديلا

حبيب السنافي
حبيب السنافي

فجأة، استيقظ الضمير العالمي من سباته، على وقع صدمة رحيل رجل السلام نيلسون مانديلا، وتوالت الإشادات به من قِبل زعماء ورؤساء الحكومات من كافة القارات، متطرقين لخصاله الإنسانية والأخلاقية الرفيعة.

غادر بهدوء رجل المبادئ والقيم الإنسانية الطاغية، الذي تعلم منه شعبه أسمى معانيها، نظرياً وتطبيقياً، لينهي فصلاً حالك السواد من تاريخ جنوب أفريقيا، وتاريخاً من العنصرية، الذي مازالت غالبية من دول العالم تعانيه، ولاسيما دول الشرق الأوسط المنكوبة به.

مانديلا المناضل قبل الاعتقال والسجن، والرافض للإفراج المشروط من المعتقل بشرط التخلي عن المقاومة ضد النظام العنصري، آثر السجن عن التخلي عن مبدأ الحرية الذي لا يقبل التجزئة على حد قوله.
مانديلا الذي أسر العالم بإنسانيته لم يحظَ بعراقة أسرته أو قبيلته، ولم يظفر بالأوسمة والنياشين العسكرية وأنواط الشجاعة الزائفةعلى صدره، لكنه كان محامياً وداعياً للوحدة الوطنية، جامعاً لأفراد شعبه، رسولاً للسلام والمحبة والمصالحة بين الخصماء، منادياً بأن تمسي أفريقيا وعاءً تحتضن البيض والسود على السواء.

لم يفكر يوماً بضيق الأفق واختزال الحرية بجماعته من السود، ولم يسعَ لأقرب فرصة ينتهزها للنيل من البيض والانتقام منهم، وخصوصاً بعدما عانى منه السود من تمييز وانتقاص لأبسط حقوق البشر.
كان أرفع من ذلك، مانديلا آمن بأن الإنسان مهما استطالت به التقاسيم الجغرافية والتفريعات العرقية، وتمايزت به ألوانه وثقافته.. هو نفسه لا فرق يحمل بين جنباته خفقان القلب وشفافية الروح النازعة للخير والحب لما سواها من الخلق.

لقد اعتبر مانديلا مصدر إلهام للشعوب – بلا استثناء – لأن تؤوب لرشدها الذي افتقدته بعنصريتها والكراهية البغيضة التي لم تتخلَ عنها، ولأنه أضاء بإنسانيته الطريق المظلم الذي كانت تتعثر فيه الشعوب بحروبها الأهلية التي أنهكتها ودمرتها بدافع النقمة والانتقام.

يذكرني نيلسون مانديلا بزعيم روحي وإنساني آخر لا يزال العالم يفتقده ويتأسى عليه، المهاتما غاندي، الذي قيل عنه إنه صام عن الطعام، من أجل إحلال السلام ووقف القتال الدائر بين المسلمين والهندوس، حتى شارف على الموت، يومها دخل عليه رجل من الهندوس مفجوع بوفاة ابنه، وقال لغاندي: هل تعلم يا سيدي ماذا فعلوا بابني؟ لقد قتلوه، وأنا قتلت من قتل ابني، فرد عليه المهاتما بشفقة، وقال: هل أدلك على ما هو أفضل مما فعلت فيأخذ بك إلى الجنة، أن تأخذ الولد الذي قتلت أباه فتربيه على الدين الذي كان أبوه يريد أن ينشئه عليه.. أغرورقت عينا الرجل بالدموع، وانكب على قدمي غاندي يقبلهما.

أخيراً، إن ما ينقص شعوبنا، هو هذه النوعية من الحكام، فالحكام لدينا إن استولوا على السلطة لم يبقوا لسلفهم إشارة أو أثراً إلا واروه، وانتقموا شر نقمة، تحت أي مبرر، حكام لا يعتلون السلطة إلا بتقسيم مجتمعاتهم لطوائف وقبائل تتصارع إلى ما لا نهاية.

Print Friendly, PDF & Email

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *