الرئيسية » قضايا وآراء » ماجد الشيخ : من يصدّق أنهم لا يسعون إلى الحكم؟

ماجد الشيخ : من يصدّق أنهم لا يسعون إلى الحكم؟

ماجد الشيخ
ماجد الشيخ

يخطئ من يعتقد بأن قوى الإسلام السياسي، ومن ضمنها قوى الإسلام الدعوي، زاهدة بالسلطة إلى هذا أو ذاك الحد، الذي يزعمه بعض قياداتهم أو أمرائهم، ذلك أن السلطة بالنسبة لهم «تكليف أساس» من رؤية «الدور الإلهي» الذي ينسبونه لأنفسهم، فهم زعامات سياسية، كما هم زعامات دينية روحية، يحتمه اختلاط وامتزاج الديني بالسياسي والسياسي بالديني.

وحين تطالعنا بعض الفتاوى الصادرة عن بعض من يعدون أنفسهم أهلا للفتوى، وما هم كذلك، لا يصدمنا أن ما يصدر عنهم، إنما يعبّر عن نزوع سلطوي، يتعالى على مصالح وواقع الناس، وكأنهم يريدون معاقبتهم، عوضا عن ازدرائهم، من قبيل تلك الفتوى التي أصدرها «شيخ سلفي» نادى فيها بجواز «استرقاق السوريات، وتحويلهن إلى إماء وجوار»، ومن قبله فتوى استباحة نساء تنظيمات مخالفة، ومن قبلها كذلك جواز جهاد المناكحة، التي وإن ثبتت محدوديتها وعدم ثبات كل ما قيل عنها، فإنها تظل في إطار ما لا يجوز القطع فيه من فتاوى لا تصدر عن مؤهلين ذوي اختصاص، ففي ظل فوضى الفتاوى، ضاعت وتضيع طاسة الرأي الرشيد والسديد، فكيف يمكن لأمثال هؤلاء أن يتولوا حكما يمكن أن يكون رشيدا وسديدا؟

البعض يريد من الفتوى أن تكون أداته للحكم، أي لممارسة السلطة، فيما هناك آخرون يلجأون إلى «الشرع»، كي يكون أداتهم للسلطة مباشرة ومداورة، إنهم يتوسلون الشرع لحكم الناس، من دون طلب أو إرادة الناس، فعلام يُجمع الشرع، إن لم يكن لخدمة الناس ومجتمعاتها، لنكون أمام معضلة مزدوجة: الناطقون باسم الشرع قد لا يكونون أهلا لتطبيقه، والشرع الذي يريدون تطبيقه قد لا يكون هو الشرع الوارد في النصوص المرجعية.

وما يجري اليوم من ذبح وسلخ وقطع رؤوس، بسبب الأحكام التكفيرية، خروج على الشرع وعلى الدين كله، فمن يأمن لهؤلاء أو أولئك من المُكفّرين و«الدعاة المهرة» الداعين لـ «شرعهم «الذاتي» الذي يزعمون أنه الشرع وما هو كذلك؟ ومن يأمن لهم أن يكونوا السلطة السياسية أو سلطة التقاضي بين الناس؟ طالما هم ليسوا أمينين على شرع الله، ولا على مصالح الناس، فالسلطة في مفهومهم بدأت وتبدأ قبل أن يتسلموا السلطة السياسية الفعلية، بدأت بالتكفير وبالفتاوى عن غير علم أو دراية، وباستعمال الشرع سلما للوصول إلى سلطوية استبداد ديني لا يريدون أن ينازعهم فيه أحد، تماما كسلطوية الاستبداد السياسي الذي لا يريد أن ينازعه في ديكتاتوريته أحد.

لا خلاف هنا على أن السلطة، أو بالأحرى سلطة بهذه المواصفات الموسومة بالغلبة وبالإكراه السياسي أو الديني، وكما في موروثنا الثقافي والنقلي غير العقلي، تضحي الملكيّة الخاصّة، أو الملكيّة الأشدّ خصوصيّة للنخبة أو لمجموع المتوافقين المتضامنين، سياسيا ودينيا، على مهمة الاستبداد، ولديكتاتوريّة تتولد من تلك الوظيفة الفريدة في التاريخ، كواحدة من أسرار «القدر الإلهي» تلك التي لا يطالها أو يبلغها العامّة من البشر، المحكومين لقدر سلطويّ لا يردّ.

فمن يصدق أنهم لا يسعون إلى السلطة، وهم في قلبها ومن قبلها ومن بعدها، يمارسون أحكاما سلطانية جائرة في معظم الأحيان، ضد مجتمعاتهم وشعوبهم ودولهم التي لا يعترفون بكينونتها، بقدر ما يعترفون بالهلام، وبأمة «أممية» زائفة لن يكون لها وجود يوما في عالمنا الحديث.

Print Friendly, PDF & Email

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *