الرئيسية » محليات » صور قاتمة.. والبلاد تسير على البركة!

صور قاتمة.. والبلاد تسير على البركة!

أسواق الكويت القديمة ... محافظة على التراث أم تنفيع للبعض؟
أسواق الكويت القديمة … محافظة على التراث أم تنفيع للبعض؟

كتب محرر الشؤون المحلية:
هي مجموعة من صور متعددة، لكنها في النهاية تعكس واقع أداء وقراءة عما نعيشه، وما سوف تؤول إليه الأمور في المستقبل، من تزايد حدة المشاكل وتضخمها، بحيث نصل إلى ما يشبه العجز التام عن حلها أو التخفيف منها، ليتعزز القول بأن البلد «ماشية على البركة»، تقذف بها ريح من هنا، أو تدفعها أمواج من هناك، من دون خط سير واضح أو أهداف محددة، مهما كانت هناك من صياغة لقوانين محكمة أو خطط تنموية يطلق عليها جزافا «طموحة»، وكأن القوانين أو الخطط تسير لوحدها، من دون أيدٍ قادرة على التنفيذ، ومن دون إرادة سياسية حاسمة لإزالة أي عقبات قد تحول دون تنفيذها، مهما كانت هذه العقبات، أو علو شأن من يقف حجر عثرة في طريق تنفيذها.

قانون الإصلاح الرياضي

ولعل خير مثال على ذلك، قانون الإصلاح الرياضي، الذي صدر منذ سنوات، ووقفت أطراف معينة ضده، ومنعت – بواسائلها الخاصة وعلاقاتها – تطبيقه.. وبدلا من إيقاف مثل تلك الأطراف، مهما كانت قوتها وبطش أساليبها، إلا أنه تم تعديل هذا القانون، تماشيا مع أهداف أصحابها وطموحاتهم، وتعزيزاً لهيمنتهم على القطاع الرياضي.. وقس على ذلك قطاعات أخرى مختلفة، حيث كانت مناطق النفوذ تقف حائلاً أمام التطبيق القانوني، ولا بأس من تأخر المشاريع أو ترديها لمصلحة هذا الطرف أو ذاك.

تعالوا نستعرض أيضا قدراً من هذه الصور التي ترسم «سير البركة» هذه..

تضخم وظيفي

نشرت الجريدة الرسمية في عددها الصادر في 8 الجاري حكم المحكمة الدستورية في الدعوى المقيدة في سجل المحكمة رقم 3/13 بشأن دعوى مرفوعة من إحدى المواطنات ضد ديوان المحاسبة، وبموجب وقائع الدعوى، قالت الشاكية في دعواها إنها قدَّمت أوراقها الوظيفية بناءً على إعلان الديوان، لتوظيف 25 خريجا ممن يحملون تخصص محاسبة، وكان عدد المتقدمين لتلك الوظائف ألف متقدم، وقد اجتازت الشاكية الاختبار التحريري المقرر للقبول في الإعلان، إلا أنه في المقابلات الشخصية لم يتم قبولها، ولهذا تقدَّمت بشكواها للمحكمة الإدارية، وتم تحويل الدعوى للمحكمة الدستورية، التي أصدرت حكمها في الجريدة الرسمية.

في هذه الواقعة، لا يهمنا أمر الحكم، وما رأت المحكمة الدستورية في حكمها، بل نريد الحديث عن الواقعة بذاتها، كونها ستكون محل تزايد وتفاقم في المستقبل، لنصل في النهاية إلى منطقة اللاحل، كحال القضايا الأخرى. فالمطلوب، بموجب إعلان ديوان المحاسبة، 25 وظيفة تخصص محاسبة، وعدد الذين تقدَّموا لها من المواطنين الذي يحملون هذا التخصص ألف مواطن، أي أن نسبة الوظائف المعلن عنها لا تشكل إلا 2.5 في المائة من عدد المتقدمين لإشغالها ضمن مجال تخصص لا نعده نادراً، بل قليل العدد، قياساً بالتخصصات الأخرى في كلية العلوم الإدارية في جامعة الكويت، ومع ذلك، هناك أعداد تمثل هذا الحجم، وتتقدم للوظائف المعلن عنها.. بالطبع، أعداد الخريجين الجامعيين ستتزايد في المستقبل في هذا التخصص أو تخصصات أخرى، وأعداد طالبي العمل في ازدياد أيضا خلال السنوات المقبلة.. وفترة الانتظار للحصول على وظيفة ما في الوقت الحالي تمتد لأشهر، وليس بالضرورة أن تكون الوظيفة متطابقة مع تخصصات المتقدمين، بل أحيانا مجرد أعداد يتم إضافتها لأعداد أخرى ليس لديها أعمال يومية تتم تأديتها.. مجرد توظيف في القطاع الحكومي، ليس لسد العجز في تأدية الأعمال، بل لتفريخ أعداد من يريدون التوظيف، وما على العاملين الذين يتم قبولهم بعد فترة انتظار قد تمتد، إلا الذهاب للمؤسسة العامة، والتوقيع صباحاً على كشف الحضور، من دون أن يكون هناك أعمال يمكن أن يتم القيام بها.. مجرد «مشوار» صباحي لا فائدة منه، أو عمل واضح، لتضاف تلك الأعداد إلى أعداد أخرى كثيرة العدد قليلة الإنتاج.

حالة القطاع الخاص

الملجأ الثاني للوظائف، هو القطاع الخاص، والذي من المفترض أن يستوعب قدرا محدودا من طالبي الوظائف، ولكن هذا القطاع منذ سنوات يتعرَّض لخسائر، وقلة أعمال، وقامت العديد من المؤسسات الخاصة بتسريح أعداد كبيرة من العاملين لديها، جراء تردي أدائها، ومن بينها شركات كانت تتباهى قبل الأزمة المالية عام 2008 بما تحققه من أرباح، نتيجة أدائها المميَّز، وبعد الأزمة، تبيَّن أن الأداء ما هو إلا بالون، ليس فيه إلا هواء متلاش، من دون أصول راسخة، واستدعى ذلك قيامها بعمليات تسريح العاملين لديها، والبعض منها تم إيقاف تداولها، وأخرى انسحبت بطوعها من سوق الأوراق المالية، ولاتزال تعاني من ديونها الداخلية أو الخارجية، وتحاول جدولتها، علها تستطيع إيفاء الدائنين.. وهنا تكمن التناقضات تجاه هذا القطاع، فأمام الوفرة المالية لدى الدولة، لا نجد المؤسسات المالية الاستثمارية القادرة على الاستفادة لتنمية الموارد المالية ضمن استثمارات مدروسة تقوم بها كوادر قادرة على أداء هذا الدور.

المهم، لدينا قطاع خاص مريض حاليا ومنذ سنوات، وكل ما نجح فيه، هو التخلص من العمالة لديه، ولم يجد المسرَّحين ممن لم يصل إلى سن التقاعد، إلا العون الحكومي في راتب المسرَّحين، الذي سيستمر حتى أبريل عام 2014.. وعندما يحين هذا التاريخ، ولم يكن هناك مخرج لهؤلاء، فلكل حادث حديث، ويعد الأمر قيمة مضافة «لسير البركة» التي تسير عليها الدولة.

وبذلك، وخلال السنوات المقبلة، ستكون الصورة أكثر قتامة، وأشد خطورة، فإننا في النهاية سنكون أمام أعداد متزايدة من الخريجين الجاهزين للعمل، ضعف في إيرادات الدولة في مجال التوظيف في المؤسسات الحكومية، تواضع إداء القطاع الخاص والمشترك، يعني ذلك مزيدا من طالبي العمل وهدرا كبيرا للأموال، جراء الصرف المالي لتجهيز كوادر طوال مراحلهم التعليمية المختلفة، ومن ثم هدر هذه الطاقات، من دون الاستفادة منها.. ولا يفصلنا عن هذا المشهد إلا سنوات قليلة.

هدر غير مبرر

الصورة الأخرى التي برزت أيضا خلال الأيام الماضية كان تكليف الهيئة العامة للاستثمار لإحدى شركاتها الاستثمارية المحلية، ممثلة بالشركة الكويتية للاستثمار التي تساهم فيها الهيئة بنسبة عالية بالقيام بدراسة أوضاع ثلاث شركات تابعة للهيئة، تمهيداً للتخلص من ملكيتها وبيعها للقطاع الخاص، والشركات هي شركة المرافق العمومية، والمنتجات الزراعية، وتعليم السيارات.. خطوة لا بأس بها، فمساهمة الحكومة في تلك الشركات ضائعة، ولم يكن هناك مبرر أصلاً لإنشائها، كما أن بعضها تعرَّض لخسائر كبيرة وحالات هدر لا مبرر لها، هدر أقرب للفساد وسوء الإدارة، والهيئة العامة للاستثمار – التابعة لوزارة المالية، اتخذت هذه الخطوة، ونرى في الوقت ذاته إدارة أخرى تابعة لوزارة المالية، ممثلة بأملاك الدولة، تؤول إليها ملكية الأسواق القديمة في مدينة الكويت، بعد تثمين هذه الأسواق من قِبل جهات خاصة كانت تمتلكها، هو تثمين أقرب للتنفيع وفك ضائقة مالية لا غير، تحت دعاوى المحافظة على التراث، وكأننا أمام آثار فرعونية أو بابلية!

وبعد عملية التثمين الكريمة، آلت الملكية للدولة، نجد الصورة أن هناك جهة تتخلص من ملكيتها المالية، وأخرى تستحوذ على ملكية كانت خاصة، وكأن الدولة في حاجة ماسة لإيرادات تلك الأسواق ذات المساحات الصغيرة من المحال التجارية.. نفهم أن يأتي الاستملاك، لتحقيق منفعة عامة، كإقامة مشروع ذي صفة ذات أولوية.. أما التذرع بالمحافظة على التراث، فهذا تبرير «مأخوذ خيره»، فيكفي أن تصدر بلدية الكويت قرارا إداريا بمنع المس بتلك الأماكن التراثية وعدم إزالتها، أوإعادة بنائها، إن كان القصد هو المحافظة على التراث.

التعامل مع الشركات

وأمام هذا الهدر المالي، تأتي وزارة المالية، لتعلق في الوقت ذاته دراسة فرض ضرائب على الشركات المحلية، ولم تصدر بيانات محددة عن ماهية هذه الضرائب، مجرد تصريح صدر الأسبوع الماضي من دون تفصيلات محددة.. فمن باب أولى أن تقوم الدولة بعدة إجراءات تجاه الشركات تلك، بالزامها توفير فرص عمل سنوية للمواطنين، بوقف تسريح العاملين لديها جراء سياسيات الإدارات العليا الخاطئة لبعض تلك الشركات، ونستحضر في هذه النقطة الدعوى القضائية التي رفعتها إحدى شركات التأمين في الكويت ضد أحد العاملين من غير الكويتيين لديها، جراء اختلاسه ما يقارب أربعة ملايين دينار خلال سنوات طويلة.. من يتحمَّل ذلك إن لم تكن الإدارة العليا التي تقاعست عن اكتشاف هذه السرقات طوال عشرين عاما؟ وما ينطبق على تلك الشركة من حالة، شهدناه في حالات مماثلة خلال السنوات الماضية، وفي النهاية من يتحمَّل تبعات مثل تلك الممارسات؟ الموظف الذي يتم إلقاؤه في ساحة البطالة من دون راتب أو مورد مالي!

الإجراءات المطلوب اتخاذها تجاه الشركات، هي التدقيق في البيانات المالية السنوية التي تتم عن طريق إدارة الشركات في وزارة التجارة والصناعة، تدقيق فعلي، وليس شكلياً أو من باب رفع العتب، وألا تعتمد ميزانياتها إلا بعد خلوها من أي تجاوزات أو انحرافات مالية أو أداء مبني على الوهم وتضخيم الأصول، وفوق هذا وذاك، وعلى مستوى عام، إيقاف الهدر المالي المعشش في أجهزة الدولة، وكلنا نستذكر استغراب وزير التربية وزير التعليم العالي د.نايف الحجرف من الكمّ الكبير في مطبوعات وزارة التربية لدى جولته في مخازن الوزارة، حيث هاله ما رأى من كتب زائدة لا حاجة للوزارة لها مكدَّسة في تلك المخازن.. وحتى لا نذهب بعيداً، يكفي التمعن في تقارير ديوان المحاسبة تجاه أداء الوزارات المالي، حيث يفيض كفيضانات «التسونامي» بالهدر والفساد.. هذا غير الفساد المخفي، أو ما يسمى تحت الطاولة الذي لا يمكن رؤيته أو إبداء الملاحظات حوله، فهذا جانب آخر من الموضوع.. إيقاف الهدر ومتابعة الفاسدين والقضاء عليهم سيكون حتما أكثر جدوى من فرض الضرائب، ومدخول القضاء من قضايا الهدر والحد من حالات الفساد سيكون عشرات أضعاف مدخول الضرائب في حال إقرارها.

صور مؤلمة متزايدة القتامة في السنوات المقبلة.. وهل هناك أمل بالشفاء؟!

Print Friendly, PDF & Email

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *