الرئيسية » محليات » المطلوب «بطيطة» صغيرة!

المطلوب «بطيطة» صغيرة!

فيصل المسلم
فيصل المسلم

كتب محرر الشؤون المحلية:
تحتفل الصحيفة الفرنسية الأسبوعية «البطة المغلولة» Le canard enchaine في العام المقبل بمرور مائة عام على صدورها، فقد صدرت في العاشر من سبتمبر من عام 1915، واستمرت حتى هذا اليوم، حيث ينتظرها القراء نهار كل يوم أربعاء، وهو الموعد الأسبوعي لنزولها إلى سوق الصحافة.. هي أسبوعية ساخرة منذ بداية إصدارها، وتلاحق كافة الفضائح والتجاوزات من أي جهة كانت، سواء من أحزاب اشتراكية، بمختلف تلاوينها، أو يمينية، على اتساع توجهاتها، ومع انها عادة ما ترحب بوصول التيار اليساري للبرلمان أو لمنصب الرئاسة الفرنسية، لكنها لا تتوانى عن كشف فضيحة أو توجيه نقد لهذا الطرف أو ذاك.. تصدر بصفحاتها الثماني، ولا يوجد أي إعلان في صفحاتها، وترفض أي إعلانات تجارية أو غيرها.. فبالنسبة لها الإعلانات نوع من الاستعباد لحرية الصحافة، تعمل على تحجيم حرية الكلمة وعدم فضح الممارسات.. والأشد من ذلك، فهي (الصحيفة) تمنع أيضا محرريها العاملين لديها من التداول في البورصة، أو تلقي هدايا من أطراف، وحتى القبول بأوسمة رسمية قد تمنحهم إياها الحكومة الفرنسية، لأي سبب كان.. وفوق ذلك، فإن المحررين العاملين لديها لا يعيشون على الكفاف نت الرواتب، بل يعدون من الذين يتقاضون رواتب عالية، قياساً بالصحف الفرنسية الأخرى.. ويعمل بها عشرون محرراً متفرغاً، خلاف رئاسة التحرير وأربعة عشر رسام كاريكاتير، وقد يحمل غلاف الصحيفة كاريكاتيرا يعبّر عن فضيحة يدور حولها الهمس، ومن جانبها تظهر هذا الهمس صورة كاريكاتورية مع كلام يظهر جانبا من هذه الفضيحة أو التجاوزات المخفية.. لا تمتنع عن ذكرها، فالحق في معرفة الحقيقة مبدأ ديمقراطي لا يمكن الحياد عنه، وشأن الدولة ليس شأنا خاصاً، فهي لا تتحدث إطلاقا عن الفضائح الشخصية، بل العامة فقط.

أما مواردها المالية ودخلها السنوي، فكبير، وتضاف الأرباح السنوية كاحتياطيات في الميزانية، من دون تبذير أو تقتير.

ترسم الكاركاتير الساخر، وتعلق على أداء الوزراء، وتلاحق التجاوزات المالية.. أما مصادرها، فهي مختلفة، سواء من السعي الدؤوب لمحرريها، أو من مخبريها الموزعين، والذين يتمتعون بسرية كاملة، ولا تنشر ما يرد إليها من مخبريها إلا بعد التدقيق والتمحيص في صحة المعلومة، كون ما ستنشره يجب أن يكون «مسمار بلوح».. أما توزيعها، فيعد كبيراً، قياساً بالصحافة الورقية، فقد كانت توزع 420 ألف نسخة عام 2005 وتوزيعها في عام 2012 بلغ 475 ألفا، وقد ارتفع التوزيع عام 2008 لأكثر من نصف مليون نسخة.. وعلى الرغم من حرية الصحافة في فرنسا، فإن صحيفة «البطة المغلولة» هي السباقة في كشف فضائح الساسة الفرنسيين، ولها تراث في ذلك يصل في العام المقبل لفترة القرن من الزمن.

فضائح مشاريعنا

تعالوا نتخيَّل وجود صحيفة لدينا على غرار الصحيفة الفرنسية، كم من المحررين نحتاج لكشف التجاوزات والفضائح من استاد جابر، إلى مستشفى جابر المتوعك في الإنجاز، إلى محطة الصرف الصحي في مشرف، إلى مبنى الجمارك الذي لم يستغل، لأنه آيل للسقوط، إلى مستشفى الجهراء، الذي تم إرساؤه، ويفترض أن ينجز خلال عامين، إلى مشروع بناء مستشفى الأمراض السارية المتوعك، كقرينه مستشفى جابر، وإلى محطة الزور، أو توربينات توليد الكهرباء التي تم شراؤها عام 2007 بتجميع خردة من هنا وهناك ولا تعمل… وغيرها من المشاريع الحكومية المسكوت عن تفاصيلها وفاعليها، وكأن تلك الأموال تعد خاصة، ولا حق للمواطن معرفة مصيرها أو التجاوزات في مقدراتها.. مكافحة الفساد، هي الإعلان عن مرتكبيه، قبل الدخول في تفاصيل الإجراءات القانونية التي تفضي إلى إعادة الأموال المنهوبة.. هي ليست فضائح شخصية، بل تجاوزات تمس المال العام، وإخفاؤها ومنع الحديث عنها يعد ضلوعا فيها.. والمنكر أن تتم ملاحقة من كشف التجاوزات، وليس من قام بالجريمة، ولقد كان هذا الأمر حال النائب السابق فيصل المسلم عندما أظهر الشيك في مجلس الأمة لتلقي أحد النواب مبلغا ماليا كبيرا، رداً على قول وزير الدولة لشؤون مجلس الوزراء «إذا عندك شيء طلعه»، وما إن أظهر هذا الشيء، حتى تمَّت ملاحقته، بدعوى إفشاء الأسرار المصرفية.

وأخيراً، يدور همس وكتابة في مواقع التواصل الاجتماعي وفي بعض المواقع عن شريط مسجل وأقوال ما أنزل الله بها من سلطان، وفي أي حادثة عادة ما يضاف إليها البهارات والتوابل، ليزداد مذاقها، وقد تكون الحكاية أو الرواية غير صحيحة أو ملفقة، والجميع يلمح ويغمز بطرف من الحكاية، وقد يضيف إليها من بهاراته الخاصة، وكل هذه الزوبعة يتم إنهاؤها بقول الحقيقة، من دون إضافات أو بهارات.

ما نحتاجه ليس بطة كاملة، بل «فرخ بط»، أو بطيطة صغيرة، لتكشف المستور، وتزيل الإشاعات والأقاويل، وقبل ذلك حماية المعلومة وناشرها، حتى لا تتكرر حكاية فيصل.

Print Friendly, PDF & Email

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *