الرئيسية » فجر الخليفة » فجر الخليفة : الانعزاليون.. و«برافر»

فجر الخليفة : الانعزاليون.. و«برافر»

فجر الخليفة
فجر الخليفة

يتواجد التيار الانعزالي في كافة الأقطار العربية، ويتباين في مدى قوته وتأثيره وشعبيته في كل منها، غير أنه واحدٌ في دعواه المنغلقة على نفسها، واحدٌ في يأسه وانهزامه النفسي، وواحدٌ في خطابه المتعالي، وغالباً العنصري.

يغذي هذا التيار أنصاره بأفكار عن خصوصية موهومة وتميز قُطري بمعزل عن المحيط العربي، وكأن هذا القُطر أو ذاك جزيرة معزولة عما يجاورها، لا تتأثر ولا تؤثر بمحيطها، ومما يُحمد لما سمي بالربيع العربي الذي هبَّت رياحه على الأقطار العربية حصراً بصورة متتابعة، أنه أسقط هذه الأسطورة بالذات.

كما يتجاهل الانعزاليون العوامل الاجتماعية والثقافية والدينية التي تربط سكان هذه المنطقة ببعضها، ذلك أن جُل ما يهدف له هؤلاء – وخصوصاً خارج الجزيرة العربية- هو القطع تاريخياً وحضارياً مع كل ما هو عربي.

في الكويت، اتسع التيار الانعزالي، وازداد زخماً وشعبيةً بعد الغزو العراقي، على وجه الخصوص، لكن كانت هناك بوادر وتوجهات انعزالية قبلها، ولاسيما من قِبل السلطة، ونحن هنا لا نتجنى على السلطة أو نبالغ، فلا يمكن أن أفهم وقف العمل بقانون التوظيف الذي يمنح أفضلية للعربي على غيره، إلا في هذا السياق، ولا يمكن أن أفهم أغنية «أنا الخليجي» مثلاً التي أنتجت في الثمانينات، إلا كمحاولة خلق هوية بديلة.

تتعدد الأمثلة والمؤشرات، ولكننا لن نخوض بها في هذا المقال، بل سنتوقف عند ردود فعل الانعزاليين على الوقفة الاحتجاجية ضد مشروع برافر، والتي دعت لها تيارات سياسية وجمعيات نفع عام الشهر الماضي أمام السفارة الفلسطينية، ومن خلال ردود الفعل تتضح لنا الفئات المختلفة من الانعزاليين في الكويت.

يتباين الانعزاليون في دوافعهم، فمنهم من ينطبق عليه الوصف في الفقرة الأولى من هذا المقال، وهؤلاء استهزأوا بالوقفة الاحتجاجية والداعين لها، وقللوا من شأنها ومن تأثيرها بمجرد الإعلان عنها.
فئة أخرى من الانعزاليين لا تزال مستغرقة في تجربة الغزو المريرة وتتبنى بناءً عليه موقفا انفعاليا وغير عقلاني، ولعلها تتقاطع مع الفئة الأولى.
الفئة الثالثة، والتي تعنيني وتهمني على وجه الخصوص، هي الفئة التي تظن أن فلسطين شأن منفصل عن العمل السياسي المحلي، وأن الانشغال بها قد يكون على حساب ما هو محلي، وهذا غير صحيح.. ومن المؤسف أن يعتقد بهذا بعض النشطاء والكُتاب المحليين.

إن من يظن أن نهضة ستتم في الوطن العربي أو ديمقراطية ستبنى ويؤسس لها، وأن اقتصاداً سينتعش من دون فلسطين محررة وعربية واهم كبير.
إن مشروع التحرر والنهضة العربي واحد ومتصل ومترابط رغماً عنا، إنها حتمية التاريخ والجغرافيا لا العواطف والأمنيات.

ولعلنا نجني اليوم حصاد عمل السلطة الدؤوب لعزلنا عن محيطنا العربي، والذي وصل ذروته بعد الغزو العراقي.

فمازلت أذكر اليوم الذي «بشّرتنا» به معلمة التاريخ في المرحلة الثانوية عن إسقاط الفصول المتعلقة بحضارة بلاد الرافدين من الكمية المقررة للامتحان، كانت المعلمة سعيدة بالقرار، لكنه لم يكن صادراً منها، بل من المنطقة التعليمية برمتها، والتي لا أظن أنها تفعل شيئاً كهذا، من دون موافقة أو علم الوزارة.

هذه هي الروح التي كانت تبث في المدارس وعلى شاشات وإذاعات الإعلام الرسمي خلال العشرين سنة الماضية، فكيف نلوم من يستهزئ بالعمل، من أجل فلسطين أو من يراها قضية الآخرين لا قضيته؟!

واليوم، وإذ يتداول خبر الاستدعاءات الأمنية لمن حضروا الوقفة الاحتجاجية ضد برافر، فإننا لا يمكن أن نقرأه إلا في سياق النزعة الانعزالية للسلطة التي أزعجها أن تخرج من الكويت هذه الصرخة الاعتراضية ضد مشروع صهيوني يتم تنفيذه على أرض فلسطين المحتلة.

Print Friendly, PDF & Email

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *