الرئيسية » محليات » البنوك الكويتية تدق أجراس الخطر.. فمن يستمع إليها؟

البنوك الكويتية تدق أجراس الخطر.. فمن يستمع إليها؟

بنوك-الكويتكتب محرر الشؤون المحلية:
نشرت صحيفة الكويتية خبراً ضمن تغطياتها المحلية عند الزيارة التي قام بها وفد من نقابة العاملين في البنوك الكويتية إلى محافظ البنك المركزي محمد الهاشل.. إنه خبر صغير في حجمه، لكنه كبير جداً في معانيه ومؤشراته.. فقد رفع الوفد النقابي جملة من الشكاوى للمحافظ، من أبرزها تدني الأجور، قياساً بأجور العاملين في القطاع العام والقطاع النفطي، وزيادة ساعات العمل اليومية عمَّا نص عليه قانون العمل في القطاع الخاص الصادر عام 2010، كما بينوا للمحافظ أن المشاكل التي يعانيها العاملون الكويتيون في قطاع البنك أدَّت إلى تدني نسبة العمالة الوطنية في هذا القطاع المالي المهم، حيث بلغ عدد العاملين الكويتيين في القطاع المصرفي عام 2010 نحو 7357 مواطناً، وتدنى العدد في عام 2011 إلى 6888 مواطناً، ووصل في نهاية عام 2012 إلى 6280 مواطناً من العالمين الكويتيين في جميع المصارف الكويتية.

تناقض

الأرقام مخيفة جداً.. وتناقص أعداد العاملين الكويتيين في أكبر قطاع مالي في الكويت يتناقض بشكل صارخ مع توجهات الخطة الإنمائية، التي صدرت بقانون ملزم بالاتجاه التوظيفي في القطاع الخاص، هذا خلاف التوصيات التي تصدر من المؤسسات الاستشارية، سواء كانت محلية أم دولية، بضرورة قيام القطاع الخاص باستيعاب قدر كبير من العمالة الوطنية في مؤسساته، لكن الواقع خلاف ذلك، ومتناقض تماماً مع تلك التوجهات. والأدهى والأمرّ من ذلك، أن أعداد المصارف الوطنية في تزايد، وليست في تناقص، وبلغ عدد المصارف الوطنية 12 بنكاً، وكل بنك من هذه البنوك لديه عشرات الأفرع المنتشرة في المراكز السكنية أو التجمعات العامة، فمجمع الوزارات وحده يحتوي على خمسة فروع لمصارف لا تبعد مراكزها الرئيسة إلا بضع خطوات عنها، هذا خلاف المناطق السكنية الجديدة التي يتم افتتاح أفرع فيها، مع قيام بقية الخدمات الأخرى، كالجمعيات التعاونية أو مراكز الخدمة العامة.

قبل عام 1977 كان من الطبيعي أن تكون العمالة الوطنية في المؤسسات المصرفية قليلة العدد، وذلك قبل إقرار نظام التأمينات الاجتماعية، في تلك السنوات كان هناك نوع من النظام التقاعدي للعاملين في القطاع العام، لذا كان أغلب العاملين من الكويتيين يتوجهون إلى هذا القطاع، كضمان مستقبلي لهم، لكن مع نهاية عام 1977 أصبحت المؤسسات المالية تحت مظلة التأمينات الاجتماعية، لذا لم تعد هناك فروقات امتيازية ما بين القطاعين بالاستفادة من التقاعد ورواتبه عند نهاية الخدمة.. وعلى الرغم من مرور كل تلك السنوات، فإن أعداد العاملين هناك ظلت في مستوى عددي متواضع جداً، ولم يكن تطبيق النظام التأميني ذا تأثير كبير على جذب عمالة وطنية لهذا القطاع المالي، الذي من المفترض أن يكون قطاعاً جاذباً للعمالة الوطنية.. ولهذا، تم إقرار قانون برنامج دعم العمالة الوطنية العاملة في القطاع الخاص، ومنها المؤسسات المصرفية، منذ سنوات طويلة، ويتم صرف علاوة تكميلية على راتب العامل الكويتي، الذي يعمل في المؤسسات الخاصة عامة، ومن بينها البنوك الوطنية، كنوع من التشجيع المادي المباشر لمن يتوجه للعمل في القطاع الخاص، لكن تفتقت ذهنية بعض البنوك، وبدأها بنك (….) عندما خفض رواتبه التي كانت تمنح للخريجين الجدد، على أن يتم استكمال بقية الراتب عمَّا يدفعه برنامج دعم العمالة للموظفين من الخريجين الجدد لدى تلك البنوك.. كانت المؤسسات المالية تمنح الخريجين الجدد في نهاية عام 1979 راتباً ما بين 450 – 505 دنانير شهرياً، ومع استحداث الدعم من برنامج دعم العمالة، خفضت بعض البنوك رواتبها للخريج الجديد إلى ما يزيد على 300 دينار، وعليه أن يحصل على باقي راتبه من برنامج دعم العمالة.إنه نوع من التحايل المسكوت عنه والمتغاضى عليه، وكأن الدولة في هذه الحالة تقوم بتخصيص الملايين سنويا لتحمل الأعباء التي يفترض أن تتحملها البنوك المحلية، أو عدد منها ليس بالقليل.. وعندما يتقدم الخريج الجديد للعمل لدى أحد المصارف يفاجأ بقلة الراتب الذي يتقاضاه، ليرد عليه مسؤول التوظيف بشكل اعتيادي ومكرر «لا تنس أن هناك دعماً للعمالة ستحصل عليه يضاف إلى راتبك»، وفي المحصلة النهائية سيكون راتبه الإجمالي منخفضاً عما يفترض أن يحصل عليه كراتب ودعم العمالة، مقارنة بما يتم تقاضيه من رواتب في القطاع الحكومي، وفوق ذلك، فإن ساعات العمل وضغوطه تفوق ساعات العمل في القطاع الحكومي بكثير، وهذه النقطة كانت محل شكوى وفد النقابة لمحافظ البنك المركزي.

جهة طاردة

وهكذا، تحوَّل هذا القطاع المالي الكبير، والكثير بمؤسساته وأعماله، إلى جهة طاردة، بدلاً من أن يكون جهة جاذبة للعمالة الوطنية، ولو لم يكن هناك قانون يحدد النسبة الدنيا التي يلتزم بها القطاع المصرفي في توظيف العمالة الوطنية، لتدنت الأعداد كثيرا عمَّا هي عليه اليوم، لكنهم مجبورون على توظيف عدد من العمالة الوطنية، التزاما بتلك النسبة.. إذن الأرقام تظهر سوء التوظيف في القطاع المصرفي، وهذا لا جدال فيه، والتعسف في إنهاء الخدمات للعاملين الكويتيين برز كظاهرة متزايدة العدد في السنوات الأخيرة، وتحديداً منذ عام 2009، عندما تم تسريح أعداد وكوادر وطنية من الشركات المالية أو المصارف.. ومنذ ذلك العام تم إقرار رواتب للمسرَّحين من تلك المؤسسات، ولايزال مستمراً حتى يومنا هذا.

وبموجب القرار الأخير الذي اتخذ في مجلس الوزراء، سيتم مد العمل بهذا القرار حتى أبريل من العام المقبل.. وبذا، تكتمل الصورة المزرية لأداء القطاع الخاص، ففوق قلة وتراجع أعداد العاملين الكويتيين لديها، وفوق التلاعب بالرواتب وخفضها بالاستفادة بما يمنحه برنامج دعم العمالة، يأتي التسريح التعسفي من تلك المؤسسات المالية، وتتكفل ميزانية الدولة رواتب المسرَّحين.

نواقيس خطر

هذا الوضع يدق عدة نواقيس، وليس ناقوساً واحداً، للخطر، أولها أن كافة التقارير المالية المحلية والدولية تدعو إلى تخفيف الضغط عن تحمل القطاع العام عملية التوظيف، وأدَّى ذلك إلى زيادة الإنفاق بشكل مضطرد ومتواصل، وبارتفاعات حادة على الميزانية العامة للدولة، ولا يستبعد في ظل هذه المعطيات أن تصل الكويت إلى حالة عجز مالي في سنوات مقبلة، تعجز فيه عن تغطية التزاماتها المالية، وخاصة في ظل تذبذب أسعار النفط من جراء الاستكشافات الجديدة والإنتاج من النفط الصخري.. كما أن عوامل تحديد السعر ليست خاضعة لقرار محلي صرف، بل للانعكاسات الدولية على سوق النفط التي تعد العامل الأساسي في تحديد الأسعار.الناقوس الثاني، هو إعادة التفكير في موضوع الخصخصة، التي نأخذها كعنوان من دون التبصر بالمحتوى والمضمون.. مهندس كهربائي من جنسية عربية كان يعيش في الكويت حصل على إذن عمل في بريطانيا من إحدى المؤسسات الفنية، وتم قبوله من الناحية المبدئية، ولكن المؤسسة التي ترغب في توظيفه طلبت منه الانتظار لمدة ثلاثة أشهر، لأن عليها الإعلان عن هذه الوظيفة وشروطها، لأن أولوية التوظيف هي للرعايا البريطانيين، وإن لم يحصل ذلك، فلرعايا أيرلندا والاتحاد الأوروبي، وإن لم يتقدم أحد من رعايا هذه الدول يمكن توظيفه بعد ذلك، وعليه انتظار فترة الثلاثة أشهر حتى تنتهي فترة تلقي الطلبات على إعلانهم.. وهكذا، كان التزامهم، ولم يتم تعيينه إلا بعد مرور الفترة، ولم يتقدم أحد من تلك الدول بموجب الخبرة والمؤهلات المطلوبة.. بعد فترة من الزمن تم منحه الجنسية البريطانية، لكن عندما كان أجنبيا التزموا بأولوية التوظيف للمواطنين.

ما أسهل التوظيف في المؤسسات المخصصة لدينا، وأولها محطات الوقود، فقد تم إنهاء خدمات العاملين الكويتيين في تلك المحطات، ونثروا أعداداً كبيرة من العمالة الهامشية مهمتها ملء خزانات الوقود لا أكثر، علماً بأن من كان يقوم بها في السابق زبائن المحطات، وتتم محاسبة أمين الصندوق وقت الخروج من المحطة.. والعجيب أنه بغرض التغلب على الالتزام بعدد من العمالة الوطنية في محطات الوقود التي تمت خصخصتها لم يتم توظيف هؤلاء العمال على جدول رواتب الشركات التي آلت إليها المحطات، بل التفوا على القانون وتعاقدوا مع متعهد «أنفار» يقوم بتوفير العمالة لهم، حتى يتجنبوا الالتزام بنسبة العمالة الوطنية المقررة عليهم بما يتناسب مع العمالة الإجمالية المعينة في شركات الوقود.. ويتم دفع الرواتب الشهرية للمقاول الذي يزودهم بأعداد العمالة.. إنه نوع من التهرب بالالتزام بالنسبة المقررة عليهم لتوظيف المواطنين بالتناسب مع جملة العاملين لديهم.

الناقوس الأخير.. هناك قانون ومرسوم ضرورة بتخصيص شركة الخطوط الجوية الكويتية، ومرسوم الضرورة لم يحدد المدة الزمنية التي سيتم بها فترة الخصخصة خلاف القانون رقم 2008/6 الذي حدد الفترة التي ستتم بها فترة الخصخصة بمدة لا تتجاوز السنتين، وعلى افتراض الوصول إلى مرحلة خصخصة شركة الخطوط الجوية الكويتية، فما الضمانات التي ستلتزم بها المؤسسة بشأن استيعاب العمالة الوطنية؟ لدينا تجربة أمام أعيننا بشأن المؤسسات المالية من المصارف، التي أظهرت الأعداد المتواضعة، وأول مصرف منها جرى أنشئ منذ ستين عاماً، وتلته المصارف الأخرى، وآخرها بنك بوبيان، ومع ذلك نجد انخفاضاً في أعداد العمالة الوطنية العاملة لديها، وهذه الأعداد لا تتناسب مع مجال أعمالها، على الرغم من الدعم المالي المقدَّم لها عن طريق برنامج دعم العمالة.. فأسهل شيء لدى القطاع الخاص والمؤسسات المالية توظيف العمالة الأجنبية، حيث كلفتها تقل عن كلفة توظيف العمالة الوطنية من دون وجود ضوابط لعملية التوظيف.

دراسة مالية

وعلينا أيضا عمل دراسة مالية بعد تخصيص محطات الوقود ومدى استفادة ميزانية الدولة من عملية الخصخصة تلك.. هل أدَّت إلى تقليل كلفة ميزانية الدولة والتأثيرات المالية سلبا أم إيجابياً قبل المضي في موضوع التخصيص كعنوان وبعيداً عن المحتوى والمضمون الفعليين؟

كما قلنا في البداية، خبر صغير منشور يعد مؤشرا على أوضاعنا المتعاكسة تماماً مع التوجهات والدراسات، ويضع حفرة عميقة جداً أمام ميزانية الدولة في السنوات القريبة المقبلة.. فأجراس الإنذار تصدح، ونرجو أن تسمع وتعالج قبل فوات الأوان.

Print Friendly, PDF & Email

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *