الرئيسية » محليات » في الذكرى الـ37 لقرار حله.. نادي الاستقلال سيبقى في ذاكرة الكويتيين

في الذكرى الـ37 لقرار حله.. نادي الاستقلال سيبقى في ذاكرة الكويتيين

نادي-الاستقلال1يصادف بعد غدٍ (الجمعة) 20 ديسمبر الجاري الذكرى الـ 37 لصدور قرار حل نادي الاستقلال الثقافي الذي صدر في عام 1976، في الوقت الذي شهدت فيه الكويت ردة سياسية واجتماعية كبيرة بعد حل مجلس الأمة الرابع بصورة غير دستورية في 29 أغسطس 1976، وتعليق عدد من مواد الدستور وتفعيل الرقابة على الثقافة المحلية. واليوم نعود ونستذكر نادي الاستقلال في وقت أحوج ما نكون إليه.

مع تأسيس نادي الاستقلال، بدأ عصر جديد للحراك الوطني والشعبي في الكويت، وهي في مستهل عمرها الاستقلالي.

وبرز نشاط النادي بشكل مكثف، ليس على المستوى المحلي فحسب، بل تعداه إلى المحيط العربي أيضا.

وكان من أبرز مواقف نادي الاستقلال الوطنية، بعد مرحلة الإشهار، دوره المميَّز في التوعية وصناعة الموقف الشعبي ضد اتفاقيات المشاركة النفطية في أوائل الستينات من القرن الماضي، وما أدَّى إليه ذلك من تحرير ثروة البلاد النفطية.

كما شكلت ندوات الإثنين، التي كانت تقام أسبوعيا حول شؤون الساعة، محلياً وعربياً، العنوان الأبرز لمسيرة نادي الاستقلال، الثقافية والأدبية والسياسية والاجتماعية.
بهذه المواقف والندوات، حمل النادي شعلة التنوير والتقدم في الكويت، من خلال الحضور الجماهيري الواسع والمشاركة الشعبية الفعالة، حتى أصبح صرحا وطنيا ومحط أنظار الزوار من خارج الكويت، كان آخرهم الزعيم اللبناني الراحل كمال جنبلاط.

لقد مارس النادي دوره الوطني على أكمل وجه. فكان الملتقى الثقافي الأول في الكويت الذي نوقشت فيه مختلف القضايا المحلية والعربية من قِبل رواد الفكر والسياسة والمتخصصين والأكاديميين، في الكويت والوطن العربي، وشهدت قاعة محاضراته حشوداً لم تحظَ بزخمها قاعة أي نادٍ أو جمعية أخرى.

هكذا، شكّل نادي الاستقلال إحدى الركائز الأساسية للعمل الوطني الديمقراطي في الكويت، وكان مركزا لتجمع المستنيرين في الكويت من مختلف الشرائح والفئات، من حضر وبدو وسُنة وشيعة، من دون تمييز، ليصبح المعبّر الصادق عن تطلعات الحركة الوطنية، وعن تطلعات الكويتيين إلى المشاركة الفاعلة في مجتمعهم، وفي الحياة العامة.

نادي-الاستقلال2أربعة عشر عاماً، هي فترة عُمر النادي، استطاع خلالها أن يكون مركزاً لاهتمام الفئات المختلفة في المجتمع الكويتي، عبر إقامة الفعاليات الثقافية والسياسية.

وتحوَّل النادي خلال فترة قصيرة من مركز لممارسة هذه النشاطات إلى ملتقى للعناصر الوطنية تطرح فيه كل الآراء، واحتضن لذلك العديد من الشخصيات.

ولقد تناول النادي القضايا الرئيسة للواقع الكويتي، التي لم تقتصر على جانب معين، بل امتدت لتتناول مسألة تأميم النفط والقضايا الاقتصادية، إضافة إلى القضايا التربوية والاجتماعية وغيرها.
وانفتحت نشاطاته، وتوسعت لتشمل البعدين الخليجي والعربي، ما أكسبه ثقلاً كبيراً بين الأوساط الوطنية والقومية والتقدمية.
ومن يتابع النشاطات والفعاليات التي أقامها النادي يدرك هذا الأمر بكل وضوح، وخصوصا لجهة خوضه معركة الدفاع عن الدستور والديمقراطية في الكويت.

فقد جاء في قرار إشهار النادي، أنه «تطبيقاً لأحكام القانون 24 لسنة 1962، أصدرت وزارة الشؤون الاجتماعية والعمل قرار إشهار نادي الاستقلال، ومقره مدينة الكويت، والمسجل برقم 21 أندية وجمعيات نفع عام، بتاريخ 1963/12/28 لمدة غير محددة، وذلك لتحقيق الأهداف التالية:

1ـ خلق مواطنين صالحين عن طريق نشر الوعي الثقافي والاجتماعي.
2 ـ توثيق عرى التعاون التام بين أعضاء النادي أنفسهم ومختلف الهيئات في البلاد».

من الحل إلى التصفية

نادي-الاستقلال4لم يكن في حسبان القوى السياسية الوطنية والجمعيات والهيئات المهنية والعمالية، أن يطل نهار 29 أغسطس 1976 عليهم، عبر إذاعة الكويت، بقرارات كانت أقرب إلى الانقلاب على الدستور، منها حل مجلس الأمة، وتعليق بعض المواد الدستورية، وبخاصة ما يتعلق منها بحق الكويتيين في المشاركة في الحكم، وتفعيل المادة 35 مكرر من قانون المطبوعات والنشر، لقمع أي معارضة لبلاغ الانقلاب، ولإسكاتها.

اللافت هنا، أن الواقع السياسي وظروف العلاقة بين السلطتين، التنفيذية (الحكومة) والتشريعية (المجلس)، لم تكن تنبئ بأن شيئاً ما يدبر بليل لضرب التجربة الديمقراطية، فمجلس الأمة كان في عطلته الصيفية، ولا تشير علاقته بالحكومة إلى وجود ما يعكر صفوها، حتى أن نائب رئيس الوزراء يومها الشيخ جابر العلي السالم لم يتردد في كلمته في الجلسة الختامية لدور الانعقاد عشية العطلة البرلمانية الصيفية في الإشادة بتعاون المجلس.

لكن، وبعد استيعابها الصدمة والمفاجأة، لم تتردد القوى الوطنية والشعبية، من أندية، يتقدمها نادي الاستقلال، وجمعيات نفع عام وهيئات طلابية وعمالية، في الانتقال من تلقي الفعل إلى رد الفعل، فتنادت إلى عقد سلسلة اجتماعات ولقاءات حضرها ممثلون عن النادي واتحاد العمال والاتحاد الوطني لطلبة الكويت وجمعيات المعلمين والصحافيين والمحامين ورابطة الأدباء، حيث انتهت في اجتماع 16 سبتمبر 1976 إلى الاتفاق على إصدار بيان تطالب فيه «بعودة الشرعية والحكم الدستوري، واسترداد المكاسب الديمقراطية بأسرع وقت ممكن»، وقد صدر البيان حاملاً تاريخ 18 سبتمبر 1976، وتواقيع نادي الاستقلال وست جمعيات مهنية وعمالية وطلابية ما عدا جمعية الإصلاح الاجتماعي الإسلامية التي شاركت لمرة واحدة وامتنعت عن توقيع البيان.

كان إصدار البيان وتوزيعه بمنزلة الرفض الشعبي المطلق للخطوات الانقلابية التي أقدمت عليها السلطة ضد الدستور والديمقراطية، كما كان رداً عملياً، بل كان تحدياً لرغبات السلطة وتهديداتها التي نقلها وزير الشؤون الاجتماعية والعمل، عشية صدور مراسيم حل مجلس الأمة، إلى اجتماع دعا إليه ممثلين عن القوى السياسية والوطنية والمهنية.

وبعد صدور البيان، عمدت الحكومة إلى تنفيذ تهديداتها باعتقال عدد ممن وزعوا البيان، واستدعى وزير الشؤون إلى مكتبه ممثلين عن إدارة نادي الاستقلال، ليبلغهم لوم السلطة وامتعاضها من البيان، متذرعاً بـ «خروج النادي عن أهدافه وتعاطيه الشأن السياسي»، وكان رد ممثلي النادي أن «القرارات التي أصدرتها السلطة (حل مجلس الأمة) تمس حياتنا.. وللمناسبة، فقد كنت أنت تمارس نشاطا، لافتا للنظر في واشنطن عندما كنت سفيرا للكويت.. ففي إطار الديمقراطية، كنت تتحدث عن قرارات الكونغرس، وتناطح التغلغل الصهيوني في أميركا، ولم يقل لك أحد إنك تتدخل في الشؤون السياسية الأميركية.. ألا يحق لنا، نحن الكويتيين، أن نناقش أمور حياتنا في وطننا؟».. وكان رد وزير الشؤون على هذا الكلام: «لقد قلت لكم ما أريد أن أقوله وقد أعذر من أنذر».

التزمت جميع جمعيات النفع العام بتحذيرات السلطة، ولم تقم بأي نشاط يذكر، ورغم ذلك، بدا أن قرارا كان قد اتخذ بحل مجالس إدارات الأندية والجمعيات التي شاركت في توقيع البيان (باستثناء اتحاد الطلبة، لأنه لم يكن مشهراً قانونيا، واتحاد العمال، لأنه يمثل النقابات).

وهكذا، أصدر وزير الشؤون قراراً بحل مجلس إدارة رابطة الأدباء وتعيين مجلس مؤقت لها في 3 نوفمبر 1976، ثم أصدر قراراً بتاريخ 6 نوفمبر 1976 بحل مجلس إدارة جمعية الصحافيين، وتعيين مجلس إدارة مؤقت لها، ثم قرارا بحل مجلس إدارة جمعية المحامين بتاريخ 14 نوفمبر 1976، وتعيين مجلس إدارة مؤقت لها، وحدث ذلك أيضا لجمعية المعلمين.

أما بالنسبة إلى نادي الاستقلال، فقد ظل قرار حل مجلس إدارته معلقا، لسبب لم يكن في حسبان السلطة التي سعت، وعلى مدى شهرين، من دون جدوى، لأن تجد عضوا واحدا من الأعضاء المسجلين في النادي، وهم يزيدون على 500 عضو، يقبل بأن يكون عضوا في مجلس إدارة معيَّن من قبل الوزير.

واستمر مفعول قرار حل مجلس إدارة نادي الاستقلال معطلاً إلى يوم 20ديسمبر 1976، وهو اليوم المقرر لانعقاد الجمعية العمومية للنادي لانتخاب مجلس إدارة جديد، حيث استغلت السلطة هذه المناسبة، لتشكل مجلس إدارة من خارج أعضاء النادي، وذلك بعد طلبها من الوزراء وإصرارها على كل وزير، على حدة، أن يرشح واحداً من موظفي وزارته لعضوية مجلس الإدارة، ففعلوا.

وهكذا، شُكلت عضوية مجلس إدارة النادي من وزارات الصحة والشؤون والإعلام ومن ديوان الموظفين وغيرها.

رغم تعيين الحكومة مجلس إدارة لنادي الاستقلال، استمر أعضاء النادي على وفائهم لناديهم، رغم تعرضهم لاستفزازات يصعب تحملها، وقفت وراءها الأصابع القذرة للمباحث، وفق مخطط لتشويه سمعة النادي وتعمد تصوير استخدامه كمكان لممارسة الرذيلة، في محاولة مكشوفة ومفضوحة لتلطيخ شرف النادي وسمعته الشامخة، والحط من كرامة أعضائه، ولافتعال ما يبرر حله وتصفيته.

هذه الممارسات والوقائع كشفت عن برنامج مُعدّ سلفاً للسلطة، لتشويه سمعة نادي الاستقلال ورجالاته وأعضائه، عن طريق التشهير بالنادي، والزعم بأنه تحوَّل إلى «مركز للرذيلة»!

كانت الحكومة مصّرة على إسقاط نادي الاستقلال، نظراً لدوره الطليعي في الحياة السياسية، ولدوره الوطني في إنهاء «المشاركة النفطية»، و»تنفيق العائدات النفطية»، وصولاً إلى التأميم الكلي لثروة الكويت النفطية. فرجالات النادي ومؤسسوه من المؤمنين بالديمقراطية، ومن المتمسكين بالدستور.

وفي عصر يوم الأربعاء 27 يوليو 1977، كشفت الحكومة علانية عما كانت تضمره من نوايا مبيتة، وتخطط له من وراء أساليبها الحاقدة التي مارستها بحق نادي الاستقلال.. فقد فوجئ أعضاء النادي، الذين كانوا يتوافدون إليه، كعادتهم كل مساء، بعربات مسلحة تحاصر النادي من الداخل والخارج، وكأن انقلاباً عسكرياً قد حدث، عربات مسلحة بمدافع رشاشة والأصابع على الزناد، وحرس يمنعون الأعضاء من الدخول، ومنع من هم في الداخل من الاعتراض على ما يجري من أحداث.
فقد صدر القرار (وهو الثاني) الجائر بحل النادي وتصفيته، من دون جميع الأندية والجمعيات والاتحادات التي وقعت البيان الذي أدانت فيه حل المجلس وتعليق الدستور، ووزعته.
وعلى مرأى أعضاء النادي، الذين أصيبوا بالصدمة والذهول، باشرت لجنة التصفية التي شكلتها الحكومة، والتي تألفت من أربعة أعضاء، بإخراج ما حوته مكتبة النادي الثمينة من كتب وموضوعات عن تاريخ الحركة الوطنية، وكتب ثقافية ودينية، ووضعتها في ساحة النادي وأشعلت النيران فيها.

وفي 29 أغسطس من عام 1977 صدر قرار ثالث حمل الرقم 42 لسنة 1977 بأيلولة أموال نادي الاستقلال ومقره الواقع في منطقة حولي، على شارع المغرب، إلى الجمعية الكويتية لرعاية المعوقين.

لا يزال في ضمير الوطن

أعوام مضت، ونادي الاستقلال أسير قرار ظالم وغير قانوني وجائر، اتخذ في سياق سيناريو هجمة تحالف السلطة والتيار الديني على الدستور والحريات العامة، وعلى الديمقراطية.

وكل الحجج والذرائع التي استخدمت لتبرير جريمة ذلك التحالف بإغلاق النادي تفتقد أدنى المقومات الدستورية والقانونية والشرعية، لتبقى بالتالي تجسيداً لحجم الخوف الذي كان يعيشه هذا التحالف، مما يمثله نادي الاستقلال، من سد وطني وجماهيري منيع أمام سيناريو الانقلاب على الدستور والهيمنة والتسلط على الكويت ومقدراتها وثرواتها.

أعوام مضت، والتطورات والأحداث المحلية والإقليمية، التي سجلتها يوميات هذه الأعوام، تؤكد كم كانت ساحتنا الوطنية تفتقد الدور الذي كان نادي الاستقلال مؤهلاً للعبه وممارسته في الذود عن مستقبل الوطن والمواطن، وفي التصدي لتحالف بعض قوى النظام النافذة مع تيار ديني يفتي بتغييب العقل وقمع الرأي الآخر واغتصاب الحقوق.

فمنذ حل نادي الاستقلال في 20 ديسمبر 1976 وتصفيته وإغلاقه في عام 1977 وحتى اليوم، لا تزال قضية «فك أسر» نادي الاستقلال حية في ضمير الوطن، وضمير ووجدان كل من عاش مرحلته ومآثره من مؤسسيه وأعضائه ومناصريه، وكل من تلمس إنجازاته ونضالاته الوطنية.

وكثيرة هي المحاولات والمطالبات التي جرت على مدى العقود الماضية، لحث الحكومة على التراجع عن قرار إغلاق النادي، لكن لم يكتب لها النجاح.

إن السكوت بعد اليوم عن موقف الحكومة وعنادها في الاستمرار بإغلاق نادي الاستقلال، وعدم فك قيود أسره ليستعيد حريته، يصنف في خانة «الساكت عن الحق شيطان أخرس».
إن الساحة الكويتية اليوم أحوج ما تكون إلى استعادة توازنها الوطني الذي اختلت معاييره، بإغلاق نادي الاستقلال، هذا التوازن من شأنه إعادة الحيوية الوطنية إلى سابق عهدها، وعلى الصعد الاجتماعية والثقافية والفكرية والسياسية كافة.

وحتى لا تبقى قضية إغلاق نادي الاستقلال «جريمة بحق الوطن»، تتجلى تداعياتها أمام أعيننا في الفوضى العارمة التي تعيشها الكويت، من فساد ينخر عظام الدولة، بكل مؤسساتها، أو كوارث تتوالى أبطالُها مجرد أشباح جاءوا من كوكب آخر.. ومستقبل مجهول، حتى لا نبقى كذلك، فلنعمل معا، لنجعل من استعادة نادي الاستقلال لحريته وفك أسره قضيتنا الوطنية، وبامتياز، اليوم قبل الغد.

Print Friendly, PDF & Email

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *