الرئيسية » حبيب السنافي » حبيب السنافي : عند العرب «الحكم لمن غلب»

حبيب السنافي : عند العرب «الحكم لمن غلب»

حبيب السنافي
حبيب السنافي

افتقرت الهياكل الاجتماعية في الجزيرة العربية من بدايات الفجر الإسلامي إلى تنظيم سياسي وتقعيد قانوني يمهد لنظام اجتماعي مستقر، فالمكونات الاجتماعية عبارة عن قبائل وعشائر تسرح بالصحراء، هدفها تأمين قوتها، بما تمدها الصحراء منه.

ولم يشغلها الاستقرار والالتفات حول بعضها البعض سوى في بعض الاماكن الدينية/ مكة أو بعض الواحات الخصبة/ يثرب مثالاً.

هذه الحياة الاجتماعية/ الاقتصادية لم يلحفها تنظيم سياسي يؤسس لمتطلبات الحضارة وديمومتها، فالحضارة لابد لها من استقرار، والاستقرار يتكئ على إنشاء نظام حكم، يجتمع الناس حوله، ويتوافقون عليه، وهذا ما افتقدته المجاميع البشرية بالجزيرة العربية.

بعد الوحي والبشارة بالدين الجديد، تمحور العرب حول الرسول، صلى الله عليه وسلم، كنبي وقائد وحاكم، وانشغلوا بعد وفاته بالصراع في الجزيرة العربية لنشر الدين الجديد عن تأسيس نظام سياسي وشكل للحكم يتفق عليه، يحدد آليات وواجبات الطامحين للسلطة، ويقطع طريق الخلافات والصراعات، وصولاً إليها.

ولأن المناخ السياسي في كل بقعة جغرافية يتأثر بعوامل ذاتية/ داخلية، انفتقت بعد وفاة النبي إشكالية الحكم والقيادة، ونشوب الصراع لاحتكارهما في قبيلة معينة تسند الحاكم، ثم في عشيرة منها، ليستقر قرار الأمة ورأيها بالنهاية بقرار الخليفة القاطع.

وبسبب الاختلافات الأولية حول النص المقدس، وعياً وفهماً وتفسيراً، ولعدم وجود رؤية واضحة وشاملة لمفهوم السلطة ودلالاتها وقيمها الاجتماعية، أقحمت الأعراف البدوية في الحياة السياسية الجديدة، وأعظمها تأثيراً مفهوم «ولاية المتغلب»، فلم تكد تعلن وفاة قائد الأمة، إلا وكانت السيوف مسنونة بالجراب، وثباً للسلطة، أو مقارعة المعارضة للطامعين بها، وخصوصاً أن المولود السياسي الجديد لم يشب بعد، ومحاولة الفرقاء بناء الكيان السياسي، كلٍ وفق وجهة نظره، ورؤيته القاصرة.. كان صراعاً على هوى السلطة ونزاعاً على السيادة، لا همّ آخر سوى ذلك.

وتماهت – مع حدة الصراع السياسي والفقهي- قدسية النص الأول بنصوص أعراف البادية العربية، فعندهم «الملك لمن غلب» ،»نحن مع من غلب»، «نبايع من غلب»، حتى أمست تلك المقولات فصلاً من الفقه لا محيد عنه عند البعض، ملزماً له، كما في فتوى الإمام أحمد بن حنبل «من غلبهم بالسيف حتى صار خليفة وسمي أمير المؤمنين..، براً كان أو فاجراً، فهو أمير المؤمنين»، وليقتدي بفتواه فقهاء السلاطين ،فيفتوا «بحرمة محاربة صاحب الشوكة والغلبة، وأن من غلبهم بسيفه حتى صار خليفة، وجبت طاعته، وحرمت مخالفته، والخروج عليه موبقة وجريرة».

هكذا، بدت الصورة مريرة حتى يومنا هذا، وما فتئت مجتمعاتنا العربية تتأرجح بمسيرتها، يمنة ويسرة، فاقدة لهويتها السياسية، فمن جهة حكامها هي غنيمة دسمة استولوا عليها بالقوة والغلبة، بناءً على العرف الجاهلي الموروث «ولاية المتغلب»، وهي شرعيتهم التي اكتسبوها بالصراع الدموي والانقلاب على بعضهم البعض، ومن وجهة نظر الفقه السلفي هي/ الشعوب إرث لحكامها لا يجوز الخروج عليهم، حفاظاً لوحدة الصف والجماعة! وتبريراً لخضوعها واستسلامها لمقولات الجاهلية العربية التي لا تقرها مفاهيم الحرية والعدالة والمساواة بعالمنا المعاصر.

Print Friendly, PDF & Email

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *