الرئيسية » قضايا وآراء » محمد الشحري : مبررات الرفض العُماني للاتحاد الخليجي

محمد الشحري : مبررات الرفض العُماني للاتحاد الخليجي

محمد الشحري
محمد الشحري

أثارت التصريحات، التي ألقاها الوزير المسؤول عن الشؤون الخارجية العمانية، يوسف بن علوي، في حوار المنامة، حول رفض السلطنة الانضمام إلى الاتحاد الخليجي، الذي تبنته المملكة العربية السعودية منذ سنتين، ردود أفعال محلية وإقليمية، وخاصة في مواقع التواصل الاجتماعي وفي البرامج الحوارية على القنوات الفضائية، وربما يرمي هذا الموقف بظلاله على قمة مجلس التعاون الخليجي المنعقدة في الكويت.

وإذا كان موقف السلطنة الرافض للاتحاد ليس جديداً، حيث أعلنت مسقط قبل سنتين رفضها الانضمام له، فإن الجديد هو الرد السريع من المسؤول العماني على الوزير السعودي بعد إلقاء الأخير كلمته، ما يعني أن الموضوع قد شبع نقاشات واعتراضات في الاجتماعات المغلقة، سواء بين الدول الخليجية الست أو بين الطرفين العماني والسعودي المعنيين بالمعارضة والتأييد للاتحاد، كما أن هذه ليست المرة الأولى التي ترفض فيها السلطنة الدخول في اتفاقيات المجلس، إذ امتنعت مسقط عن الانضمام إلى اتفاقية العُملة الخليجية الموحدة، قبل أن تلحق بها الإمارات احتجاجا على اختيار الرياض مقرا للبنك المركزي الخليجي، كما رفضت السلطنة مع السعودية أيضاً الانضمام إلى مبادرة إسطنبول القائمة على التعاون الأمني والعسكري مع حلف الناتو التي انضمت إليها أربع دول خليجية، إضافة إلى العديد من المواقف المنفردة التي تتخذها السلطنة، والتي تخالف فيها مواقف بقية الدول الخليجية، منها إبقاء السلطنة على علاقاتها مع مصر، رغم قطع الدول العربية علاقاتها مع القاهرة، احتجاجا على اتفاقية كامب ديفيد، وتعليق عضوية مصر من سنة 1979 إلى 1989، وسحب مقر الجامعة العربية من القاهرة إلى تونس، كما حافظت عُمان على علاقاتها مع إيران بعد الثورة الإسلامية، وأبقت على علاقاتها مع العراق بعد حرب الخليج الثانية، وفي الأزمة السورية الأخيرة لم تغلق عُمان سفارتها في دمشق، كما لاتزال السفارة السورية مفتوحة لرعاياها في مسقط حتى هذه اللحظة، لذلك، فإن المتابع للسياسة العمانية يرى اتسامها بعدم التدخل في الشؤون الداخلية للدول، واحتفاظها بعلاقات جيدة مع الجميع.

لكن هذا الكلام قد لا يقنع كثيراً من المتابعين للشأن الخليجي، إذ يفسر بعض المحللين الموقف العماني الرافض للاتحاد إلى أسباب عدة، منها رفض مجلس التعاون الخليجي منذ إنشائه 1981 للعديد من المقترحات التي تقدم بها السلطان قابوس لقادة المجلس، ومنها على سبيل الذكر، إنشاء جيش خليجي مشترك تحت لواء درع الجزيرة قوامه 100 ألف جندي، ولكن السبب الحقيقي الذي منع السلطنة من الموافقة على الاتحاد الخليجي، هو تفسيرها بأن دواعي قيام الاتحاد ليست لمصلحة الشعوب الخليجية التي انتظرت من المجلس التكامل على كافة المستويات، وخيّب المجلس آمال المواطن الخليجي، الذي يجد نفسه أحيانا معلقا بين الحدود، بسبب خارطة على بطاقته المدنية، كما حدث بين الإمارات والسعودية التي اعترضت على شكل الخارطة على الهوية الإماراتية في العام 2009.

وفُسّر تصريح الوزير العماني يوسف بن علوي بأنه « ينبغي ألا ندخل في صراعات لا مع القريب ولا البعيد، ولا يمكن أن نعود للقرن الماضي، وينبغي لنا أن ننأى بمنطقتنا عن الصراعات الدولية والإقليمية.. مع احترامنا لكل وجهات النظر داخل وخارج مجلس التعاون بشأن مستقبل المنطقة، إلا أننا نعتقد بأن القوة لا تعني بالضرورة أن يتعسكر الناس من أجل الدخول في صراعات أو مواجهة صراعات».

فسر حديث بن علوي بأن الهدف من قيام الاتحاد الخليجي سيكون لمواجهة إيران، وربما يتطور إلى صراع عسكري، بعد أن فشل مجلس التعاون الخليجي في تحقيق الهدف الحقيقي من قيام المجلس في منع تصدير الثورة الإيرانية إلى الضفة الأخرى من الخليج، والتي كلفت المجلس مليارات الدولارات وتمويل حرب الخليج الأولى، وصفقات أسلحة بمليارات الدولارات.

وعبارة الوزير العماني التي وردت في تصريحه «لا يمكن أن نعود للقرن الماضي» تُفهم على أساس الحرب مع إيران، والتي وإن أخرتها حرب الخليج عن استعادة دورها الإقليمي في المنطقة، كما كانت في عهد الشاه، إلا أنها لم تمنعها من سعيها لامتلاك الطاقة النووية، والدخول في مفاوضات تحققت أخيرا باتفاقية بين طهران والدول الأوروبية، حيث كانت عُمان ساحة لمفاوضات سرية بين إيران والولايات المتحدة، وهو الأمر الذي انزعجت منه الرياض، التي تماهت مع الطرف الإسرائيلي في توجيه ضربات عسكرية للمنشآت النووية الإيرانية.

أما عن الرأي العام العُماني، فمن خلال مواقع التواصل الاجتماعي يجد المتابع إجماعاً شعبياً على الموقف الذي اتخذته السلطنة من الاتحاد الخليجي، وهذا إن دلّ على شيء، فإنه يدل على قناعة المواطن العُماني بالسياسة الخارجية للسلطنة، ورغبة الشعب العُماني في النأي بالنفس عن الدخول في الصراع الطائفي والمذهبي، الذي كرسته بعض الأنظمة الخليجية ودعمته إعلاميا عبر الفضائيات ومواقع التواصل الاجتماعي، وهو ما عجزت بعض المؤسسات الدينية الخليجية من تصديره إلى الداخل العُماني، إذ لم تخترق فتاوى بعض المشايخ من دول الجوار جدار التسامح العُماني رغم التنوع المذهبي من سُنة وإباضية وشيعة، حيث تقف الدولة العمانية على مسافة من كل المذاهب التي وصلتها عصا الدولة في أكثر من مناسبة، وقد اعتقلت جماعة من الشيعة الشيرازية في ديسمبر 1987، وحكمت محكمة أمن الدولة على 18 شخصا منهم بأحكام تراوحت بين السنتين وثماني سنوات بتهمة التخابر مع جهات خارجية لقلب نظام الحكم.

وفي العام 1994 اعتقل ما يقارب 126 شخصا من تنظيم الإخوان المسلمين وصدرت في حقهم أحكام محكمة أمن الدولة، تراوحت بين الإعدام للعسكريين منهم والمؤبد والسجن للمدنيين من 3 إلى 20 سنة، وقد عفا عنهم السلطان قابوس في العام 1995.

وفي العام 2005 ألقي القبض على حوالي 30 متهماً بإنشاء تنظيم سري إباضي، وبالتحضير لقلب نظام الحكم القائم في البلاد بقوة السلاح بقصد إقامة حكم الإمامة بدلا منه، وحكم على 6 منهم بالسجن 20 عاما، وحكمت على 12 متهما بالسجن 10 سنوات، وحكم سنة على متهم واحد، وقد صدر في حقهم لاحقا عفو سلطاني بعد أشهر من سجنهم، لذلك نجد أن الدولة العمانية حافظت على نسيجها الاجتماعي والثقافي، وهي بذلك تعد منفردة في قراراتها وسياساتها تجاه الأطراف الإقليمية والدولية.

Print Friendly, PDF & Email

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *