الرئيسية » ثقافة » السينما ما بين الروائي والوثائقي.. (4-2) : الحركات والتيارات الحديثة

السينما ما بين الروائي والوثائقي.. (4-2) : الحركات والتيارات الحديثة

ملصق-فيلمكتب محمد عبدالرحيم:
رغم ظهور السينما الثورية في العشرينات، على يد دزيجا فيرتوف، صاحب «الرجل ذو الكاميرا»، ونظريته حول عكس الواقع الحقيقي، من خلال عدسة الكاميرا، وازدراء الفيلم الروائي/الخيالي، فإن تجاربه وتنظيراته كانت حجر الأساس لاعتماد أساليب ومنهج التوثيق في السينما الروائية، والتي أنتجت جماليات مختلفة عن التي كانت تصدّرها هوليوود، ونظم الإنتاج الضخمة، فتوالت الحركات والتيارات السينمائية التي تأست بالمنهج الوثائقي، كالواقعية الجديدة في إيطاليا، والموجة الجديدة وسينما الحقيقة في فرنسا، والسينما المستقلة في إنكلترا، ثم السينما المباشرة في أميركا، وأصبحت أصداء وأساليب هذه التيارات وتطورها تتردد في السينما المعاصرة التي انتهجت رؤية جديدة للواقع ومعالجته، لم يكن الفيلم الروائي يتعامل معها من قبل.. كل هذا بهدف البحث والإيهام بالصدق، والاقتراب أكثر من القضايا الإنسانية الحياتية، سواء نتيجة واقع مأزوم من جرّاء الحرب، أو نتيجة سياسات وانتهاكات إنسانية للدول الرأسمالية.

الواقعية الجديدة

ففي فيلم الأرض تهتز، عرض فيسكونتي قصة حياة عائلة صقلية تمتهن صيد السمك، وقام أفراد العائلة بأداء أدوارهم الحقيقية على الشاشة، فلم يكن هناك ادعاء أو تظاهر بالتمثيل المحترف، وهو ما زاد إحساساً قوياً بالواقعية، من دون الاحتكام إلى جودة أو رداءة التمثيل.

ولو أردنا النظر إلى التوافق والتماثل، لوجدنا أن الواقعية الجديدة مدينة للأفلام الإخبارية التي واكبت الحرب العالمية الثانية. (راجع.. دونالد ستابلز،د. ترجمة/نور الدين الزراري. القاهرة، دار المعارف 1981).
كما يلحظ ذلك أيضاً في فيلم «ألمانيا في العام صفر» لروسيلليني، حيث استخدم الأسلوب الوثائقي في البداية لاستعراض دمار مدينة برلين، وهو ما أدَّى باتجاه السينما الروائية في نطاق أوسع إلى معالجة الموضوعات الحقيقية، عن طريق إعادة دقيقة للتمثيل، تأتي في الغالب قريبة من الأفلام الوثائقية، وفي هذا الاتجاه عمل عدد كبير من المخرجين، منهم كوستا جافراس في فيلم «z» عام 1968، والانحراف، وفرانشيسكو روزي في قضية ماتي، ولاكي لوتشيانو.

الموجة الجديدة

من ناحية أخرى، نجد أن الموجة الجديدة، التي انتهجت أسلوب السينما الوثائقية، خط القصة الوثائقية والتحقيق الصحافي، الذي سيكون له أبلغ الأثر بعد ذلك على أسلوب سرد الفيلم الروائي، حتى لو بطريق غير مباشر، كما في فيلم «راعي بقر منتصف الليل»، حيث يراه البعض بمنزلة معالجة تسجيلية لنيويورك بالطريقة نفسها التي عالجت بها الموجة الجديدة باريس.

بذلك، نجد أن الروائي توسل النهج التسجيلي مع قيام الواقعية الجديدة في إيطاليا، حيث تم نقل الحدث من الاستديو إلى الشارع والأماكن الواقعية (أعمال فيسكونتي كروكو وإخوته)، كذلك العمل مع ممثلين غير محترفين كبطل سارق الدراجة لدي سيكا.

وهناك العديد من الأعمال كـ «ليل وضباب» و«هيروشيما حبيبي» لـ «آلان رينيه»، الذي لم يكتفِ بإدخال لقطات توثيقية للحرب، كخلفية للأحداث مثلاً، لكنه جعل من أسلوب التوثيق هذا بناء عاماً لدراما الفيلم، فهذه الأحداث الحقيقية ألقت بظلها على تكوين وسلوك وعلاقات الشخصيات، أكثر منها خلفية باهتة، فهناك واقع كئيب يطالعنا دوماً، حتى لو أصبحت شخصيات الفيلم في حجرة بعيدة مغلقة.

وهم الموضوعية

إلا أن الملفت أن النهج الوثائقي استخدم في أفلام مصنوعة بالكامل/خيالية، من دون الاعتماد على لقطات أرشيفية حقيقية، أو إعادة إنتاج لحدث ما، وهو ما ينفي الموضوعية التي يتميز بها شكل فيلمي عن آخر.. ويتضح ذلك في فيلم The War Game لـ Peter Watkins عام 1965، والذي تخيّل إلقاء قنبلة ذرية على مدينة لندن، فالمشاهد واللقطات كلها مصنوعة، ولكن النهج والأسلوب التوثيقي اللذين تعامل بهما المخرج مع موضوعه، أديا للإحساس بأنها مشاهد ولقطات حقيقية، وهو ما يؤكد كما سبق، أن أي لقطة لا يمكن أن تكون قائمة بذاتها، لكنها تتحدد بوساطة عدد من العناصر، التي يختارها صانع الفيلم، ويريد الإيحاء بها، والتواصل مع الآخر/المُشاهد، من خلال هذا الأسلوب أو ذاك.

فالتنوُّع الجمالي هنا لا يقتصر على شكل وثائقي أو روائي، بل يصبح سمة فيلمية أصيلة، بمعنى أن رؤية صانع الفيلم هي التي تفرض المنهج الذي سيحقق من خلاله رؤيته هذه.

Print Friendly, PDF & Email

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *