الرئيسية » عربي ودولي » إسرائيل تنتهج سياسة الحصار والتجويع والتذويب بحق الفلسطينيين

إسرائيل تنتهج سياسة الحصار والتجويع والتذويب بحق الفلسطينيين

كتب محمد الغربللي:
نشرت صحيفة القدس العربي في عددها الصادر بـ 26 نوفمبر الماضي ملخص دراسة مختصرة ورؤية للمفكر الأميركي نعوم تشومسكي، المناهض للفكر الصهيوني والتوغل الإمبريالي الأميركي، بما يقدمه من دعم متواصل لإسرائيل. وبموجب رؤية تشومسكي، فإن خيار الدولتين، الإسرائيلية والفلسطينية، مجرَّد مسكنات لأزمات أخرى في المنطقة، والراعي الأميركي متفق مع إسرائيل على عدم الوصول إلى هذه المرحلة، المطلوب فقط قدر من المباحثات، تمهيدا لوضعها على الرف من جديد، بعد مدريد الذي عقد بعد تحرير الكويت وترتيبات لمعالجة الوضع العراقي.

أما الخيار الإسرائيلي الذي ينفذ حالياً على أرض الواقع، فإنه كما يذكر تشومسكي «سيفضي في النهاية إلى دولة إسرائيلة كبرى ذات أغلبية يهودية ساحقة، ولن تكون هناك مشكلة ديمغرافية ولا حقوق مواطن ولا نضال ضد الأبارتهايد، ولن يكون هناك أكثر مما هو قائم الآن داخل الحدود الإسرائيلية المعترف بها. وتعمل إسرائيل على تحقيق هذا الخيار منذ سنين طويلة، من خلال إجراءات عدة، تمثلت الخطوة الأولى منها في خلق مدينة القدس الجديدة على نطاق يفوق بكثير حدود القدس التاريخية، وضم العشرات من القرى الفلسطينية والأراضي المحيطة بها وتحويلها إلى مدينة يهودية وإلى عاصمة إسرائيل، وربطها بمدينة معالية أدوميم، التي بدأ بناؤها الفعلي بعد اتفاقيات أوسلو عام 1993، وضمَّت أراضي تصل افتراضيا حتى أريحا، وتقوم ببتر وتقطيع أوصال الضفة الغربية، والخطوة الثانية تتمثل في قضم الأراضي التي تقع على الجانب الإسرائيلي من جدار العزل وتعادل مساحتها ما يقارب 10 في المائة من مجمل أراضي الضفة.. أما الخطوة الثالثة، فتتمثل في الاستيلاء على غور الأردن وتطويق وحبس ما تبقى من الكانتونات الفلسطينية وعمليات إبعاد على نحو ثابت للفلسطينيين، حيث تراجع عدد السكان الفلسطينيين في غور الأردن من 300 ألف نسمة في عام 1967 إلى 60 ألف نسمة حتى الوقت الحالي. كما تقوم إسرائيل بإقامة شبكة ضخمة من الطرق الالتفافية للمستوطنين بالمراكز المدينية الإسرائيلية، ما يمكنهم من التنقل من دون رؤية أي فلسطيني».

كان هذا اختصاراً من ملخص الدراسة التي وضعها نعوم تشومسكي، علماً بأن الدراسة ستنشر في مطلع العام المقبل كاملة.. ولو نظرنا للواقع اليومي والزمني لما تقوم به إسرائيل، لوجدنا استمرارها في بناء المستوطنات في أراضي الضفة الغربية، وزير الدفاع الإسرائيلي موشي يعلون الذي تولى منصبه في الحكومة الأخيرة أصدر قراراً ببناء 3000 وحدة سكنية في المستوطنات خلال الفترة من أبريل حتى يوليو الماضي، كما أصدر قراراً بضم أراضٍ من الضفة الغربية إلى مناطق نفوذ للمستوطنات، وضم محمية طبيعية في الضفة إلى مستعمرة شيلو في قلب الضفة.

وما قانون برافر الذي صدر في مايو الماضي بإجلاء الفلسطينيين من صحراء النقب، إلا جزء مما تقضمه إسرائيل من أراضي الضفة الغربية، وسط صمت الأنظمة العربية التي صفقت لرئيس دولة الكيان الصهيوني، شمعون بيريز، في إطلالته على المجتمعين في أبوظبي، لمداخلته التلفزيونية المباشرة من دون خجل أو حياء.

الضفة أو صحراء النقب ليستا فقط الحدود الجغرافية للتمدد الاستيطاني الإسرائيلي، بل في الوقت ذاته تعمل سياسة الاستيطان هذه على تذويب التواجد العربي في شمال إسرائيل، وسط الإسرائيليين العرب، بحيث لا يكون شمال إسرائيل مقصوراً على الجانب العربي، والهدف تذويب هذا التواجد بكل الصور، تمهيدا للترحيل الطوعي، متى ما أقر مبدأ يهودية إسرائيل، بموجب الشروط الإسرائيلية للمفاوضات.
أما بالنسبة للسكان في الضفة الغربية وقطاع غزة من الفلسطينيين، فالسياسة الإسرائيلية تعتمد وضمن الصمت العربي أيضا على نهجين، بشأن قطاع غزة تقوم بنهج الحصار البري والبحري، بحيث لا يمكن لمليون ونصف المليون في القطاع العيش إلا على الحد الأدنى من الكفاف، وقد ازداد هذا الحصار أخيراً مع قيام الجانب المصري بهدم الأنفاق المربوطة مع سيناء، ما زاد في صعوبة الاستيراد عبر الأنفاق مع غلاء المواد وزيادة كبيرة في البطالة وتدني للرواتب أو الدخول الشهرية.

أما الضفة الغربية، فالوضع ليس بالهين إطلاقاً على مستوى الأسعار.. هناك متوسط الدخول الشهرية من رواتب أو تدفقات ما يقارب 200 دينار كويتي.. وللمقارنة في حجم الغلاء، فإن كلفة تعبئة سيارة أربعة سلندرات بالبنزين تصل إلى 50 ديناراً.. أما مواد الاستهلاك اليومية، فأسعارها تصل إلى الخيال وعدم التصديق.

وما بين منطقة وأخرى في الضفة لا تبتعد الواحدة عن الأخرى أكثر من أربعة كيلومترات لا يتم الوصول إليها خلال أربع إلى خمس ساعات، جراء الحواجز الإسرائيلية التي تقطع الطرقات في الضفة.. مع إهانات وتعطيل متعمَّد عند الوصول لتلك الحواجز للاتجاه لمدينة قريبة.. يضاف إلى ذلك حالات الملاحقة والقتل المتعمَّد والاقتحامات للمنازل، ولقد كان خبر توجه مجموعة من قوات الاحتلال مكونة من ثمانية جنود مدججين بالسلاح ولديهم أمر بإلقاء القبض على مطلوب يدعى «محمد» مثيراً، لأنه عندما فتح الباب لهم تبيَّن أن محمد هذا لم يتجاوز أربع سنوات، علماً بأن عدد الأطفال الأسرى من الفلسطينيين في سجون الاحتلال يبلغ حتى هذا الشهر 321 طفلاً.

ولا عجب أن تهجم مجموعة من الجنود الإسرائيليين لتنفيذ إلقاء القبض على طفل لم يتجاوز الرابعة من العمر.
سياسة الحصار لغزة، وتحويلها إلى سجن كبير، سياسة تساير تماماً الرؤية والإرهاب في الضفة الغربية، كما تساير تماماً الرؤية التي كتبها نعوم تشومسكي في دراسته المذكورة، سياسة تجري بطريقة ممنهجة وبشكل يومي وسنوي تحت أنظار حكوماتنا العربية المتبلدة الإحساس والضمير التي لا تستحي من التصفيق بعد خطاب رئيس دولة الصهاينة، بل تزيد من استخفافها بعقولنا بإرسال رسائل التعازي على وفاة مانديلا.

Print Friendly, PDF & Email

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *