الرئيسية » القانونية » مصر تحاكم المدنيين عسكرياً

مصر تحاكم المدنيين عسكرياً

مظاهرات-مصروافقت لجنة الخمسين، المناطة بصياغة الدستور المصري الجديد، على مادة في الدستور تحاكم المدنيين أمام القضاء العسكري، ما أثار جدلا واسعا واعتصامات عدة من قوى ثورية مناهضة لمثل هذه التحركات التي اسمتها بعسكرة الدولة وقمع الحريات.

المحاكمات العسكرية تاريخياً

ويتداول النشطاء السياسيون المصريون مقارنات بين خمسة دساتير مصرية منذ 1923 لم تحمل أي منها محاكمة للمدنيين أمام القضاء العسكري، إلا في دستور 2012، والذي أصدر في عهد الرئيس المعزول محمد مرسي، ويسير على نهجه الدستور الذي تتم صياغته حاليا.
حيث نص دستور عام 1954 بأن «لا يحاكم مدني أمام المحاكم العسكرية»، وهو إطلاق الحظر على هذا النوع من المحاكمات، فيما أحال دستور 1971 للقانون تنظيم القضاء العسكري واختصاصاته من دون أن يذكر فيها محاكمة المدنيين.

لكن دستور 2012 جاء مغايراً تماماً ومتسعاً في إعطاء الصلاحيات للقضاء العسكري بمحاكمة المدنيين، حيث ورد في المادة 198 من دستور 2012 الذي أوقف العمل به على أن «القضاء العسكري جهة قضائية مستقلة يختص دون غيره بالفصل في كافة الجرائم المتعلقة بالقوات المسلحة وضباطها وافرادها، ولا يجوز محاكمة مدني أمام القضاء العسكري إلا في الجرائم التي تضر بالقوات المسلحة، ويحدد القانون تلك الجرائم ويبين اختصاصات القضاء العسكري الأخرى».

وكانت أول مادة دستورية في تاريخ مصر تسمح بمحاكمة المدنيين عسكرياً، وإن كان ذلك استثناء.

توسع في المادة الجديدة

أما المادة (174) التي وافقت عليها لجنة الخمسين لصياغة الدستور الجديد 2013، فقد كانت «القضاء العسكري جهة قضائية مستقلة يختص دون غيره بالفصل في كافة الجرائم المتعلقة بالقوات المسلحة وضباطها وأفرادها ومن في حكمهم، والجرائم المرتكبة من أفراد المخابرات العامة أثناء وبسبب الخدمة، ولا يجوز محاكمة مدني أمام القضاء العسكري إلا في الجرائم التي تمثل اعتداء مباشراً على المنشآت العسكرية أو معسكرات القوات المسلحة أو ما في حكمها، أو المناطق العسكرية أو الحدودية المقررة كذلك، أو معداتها أو مركباتها أو أسلحتها أو ذخائرها أو وثائقها أو أسرارها العسكرية أو أموالها العامة أو المصانع الحربية، أو الجرائم المتعلقة بالتجنيد أو الجرائم التي تمثل اعتداء مباشراً على ضباطها أو أفرادها بسبب تأدية وظائفهم، ويحدد القانون تلك الجرائم ويبين اختصاصات القضاء العسكري الأخرى، وأعضاء القضاء العسكري مستقلون غير قابلين للعزل وتكون لهم كافة الضمانات والحقوق والواجبات المقررة لأعضاء السلطة القضائية».

وهو اتساع كبير الرقعة لصلاحيات القضاء العسكري والجرائم التي تخضع لولايته، وخاصة أن بعض العبارات مطاطة وقابلة للاستغلال والتكييف.

غضب الرأي العام والرفض السياسي

قوبلت الموافقة على إيراد هذه المادة في الدستور الجديد بالكثير من الرفض والغضب من قبل الرأي العام المصري، واتجهت على أثرها أنظار مناصري حقوق الإنسان والمدنية إلى مصر، لما في هذا النوع من المحاكمات من خطورة على المدنيين، واحتمالية لانتهاك حقوقهم، إلا أن شعار الحرب على الإرهاب الذي رفعته السلطة الحالية والإعلام كان دائما هو الحجة التي توازي إقرار هذه المادة، وبرر رئيس هيئة القضاء العسكري اللواء مدحت رضوان غزي أهمية وجود المحاكمات العسكرية بـ»سرعة الفصل في القضية»، واعتبر أن سرعة الفصل في المحاكمات العسكرية توفر الروح المعنوية لأفراد الجيش لحماية الوطن. إلا أن مجاميع ثورية غاضبة نظمت مسيرات ووقفات تحت شعار «لا للمحاكمات العسكرية»، تعبيرا عن رفضها لمحاكمة المدنيين أمام القضاء العسكري، إلا أنهم قوبلوا بالاعتقال والتعسف، وعلى الأخص ما حدث أمام مجلس الشورى من فض للتظاهرة بخراطيم المياه والغاز المسيل للدموع، ثم الضرب والتحرش بالنساء والاعتقال العشوائي وانتهاكات جسيمة للحقوق الإنسانية غير جائز استعمالها في حالات فض الاعتصامات.

وتطالب القوى الثورية برفض المادة، لما فيها من تحايل على حقوقهم كمواطنين، على حد وصفهم، وإهدار لحق المصريين في العدالة، وقد أعلنت مجموعة «لا للمحاكمات العسكرية» على صفحتها الرسمية في موقع التواصل الاجتماعي فيسبوك استمراريتها في الكفاح ضد القمع مخاطبة اللجنة بقولها «أعضاء اللجنة أمام خيارين لا ثالث لهما، إما التصويت بـ لا» على النص المقترح في تلك المادة وخوض معركة حقيقية من أجل حظر تام للمحاكمات العسكرية للمدنيين، أو إهدار حق المصريين في العدالة واللحاق بمن سبقهم ممن كتبوا دستور 2012 الذي سقط وسقطوا معه. وورد في الصفحة:
«لن نقف مكتوفي الأيدي أمام هذا الظلم التحايل ،ولن نقبل المساومة على حقنا في دستور يعلي مصلحة أضعف المواطنين على مصلحة مؤسسات الدولة».

كما استنكرت بعض التيارات السياسية، كحزب الدستور والحزب المصري الديمقراطي والتحالف الشعبي الاشتراكي.. وغيرها، المحاكمات العسكرية للمدنيين، ورفضتها، منددة بأن دستورا مثل هذا مهدد بالسقوط.
هذا بالإضافة إلى أن بعض أعضاء لجنة الخمسين انسحبوا من جلسة الموافقة على مادة محاكمة المدنيين عسكريا، رفضا على إقرار مثل هذه المواد المهدرة للعدالة، والتي لا تتماشى مع أهداف الثورة.

Print Friendly, PDF & Email

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *