الرئيسية » ثقافة » بدر الإبراهيم: تسييس المذاهب وراء اشتعال الأزمات الطائفية

بدر الإبراهيم: تسييس المذاهب وراء اشتعال الأزمات الطائفية

بدر-الإبراهيممتابعة هدى أشكناني:
«تسييس المذاهب وانقسام المجتمعات العربية».. هكذا جاء عنوان الندوة التي أقامتها مكتبة آفاق للكاتب والباحث السعودي أ.بدر الإبراهيم.
جاءت الندوة الفكرية صريحة وجريئة للغاية، حيث تحدَّث فيها الباحث عن الأزمات العربية التي اتخذت بعض تجلياتها منحى خاصا بها، كمفهوم الطائفية التي تفتت الدولة الوطنية، وتهدد التعايش بين مكونات المجتمع الواحد.
كما تطرَّق الإبراهيم لمحاور عدة، أبرزها تسييس المذاهب، وماذا يمكن أن يولد من خطابات كراهية، تعرقل مسيرة الدولة، وتعيدنا للعصور المظلمة، وبالتالي تحييد التظاهرات المناهضة للظلم والديكتاتورية عن مواقفها وهدفها الأساسي لتقبع الشعوب في مكانها، وهي بهذا تكون غير قادرة على استيعاب الديمقراطية بشكلها الصحيح.

وأكد الإبراهيم أن ما يقدمه تسييس المذهب وتحويله إلى جماعة سياسية، هو تحديد مجموعة من المصالح وأولويات الصداقة والعداء الخاصة بالهوية المذهبية والمختلفة عن مصالح وأولويات الجماعة الوطنية.. وهكذا، لتصبح مسألة التدخل الخارجي حتى من الأعداء، مبررة للانتصار على المختلف مذهبيا في أبشع درجاتها، فتضيع الدولة، وتتحوَّل المذهبية إلى لعب تحرّكها قوى دولية.

فكرة الطائفية

قدَّم الباحث بدر الإبراهيم وجبة دسمة، سلّط فيها الضوء على فكرة الطائفية التي قام بتقسيمها لقسمين – على حد تعبيره – الطائفية الناعمة والطائفية الخشنة، وهو الأمر الذي يدعونا إلى التسليم بوجودها بيننا مهما حاولنا إخفاءها
في ختام حديثه، ازدادت أصوات الحضور للنقاش والتعقيب، وهو ما أضفى على الندوة، رغم قلة الحضور والتوقيت الخاطئ لها – المتزامن مع معرض الكويت للكتاب الدولي، حماسا ملحوظا، حيث تفاعل الجمهور النوعي المهتم الذي لم يتوانَ عن الحضور والاستماع.
حيث توالدت الأسئلة حول الهوية الجامعة والجماعات الأهلية، وقدرة الطرفين على تقبل المشكلة واحتوائها. فأجاب الباحث السعودي بدر الإبراهيم عن هذه التساؤلات من منطلق فكري شبابي يبحث عن التغيير.
«الطليعة» كانت لديها أسئلتها الخاصة على هامش الندوة، فأجرت الحوار التالي.. وإليكم متن اللقاء:

● تنطلق في كتابك من فكرة نقد تحويل الجماعة المذهبية لجماعة سياسية..ألا تعتقد بأن هذا النقد لم يعد مؤثرا فاعلا، في ظل الأزمات العربية المتتالية؟
– بل أعتقد بأن هذا النقد مهم جداً، في ظل الأزمات العربية الحالية، فهذه الأزمات يتسبب بها تحويل الجماعة المذهبية إلى جماعة سياسية تتحرَّك في الفضاء العام لتحصيل مصالح رعاياها، وهذا يعني تنازعاً بين جماعات مختلفة على أساس طائفي، وهو ما نعانيه في الواقع العربي اليوم.
الولوج إلى سبب المشكلة الطائفية، وهو تسييس الانتماء المذهبي مهم للحديث لاحقاً عن حلول لهذه المشكلة، وللقول إن إخراج المسألة المذهبية من الصراع السياسي ضروري للخروج من التأزيم الذي نعيشه في أكثر من ساحة عربية، وخصوصاً أن تسييس المذاهب يقود إلى تفتيت الدولة الوطنية، وانعدام الاستقرار والسماح بكافة أنواع التدخلات الخارجية في الشؤون العربية وتحويل البلدان العربية إلى ملاعب للقوى الإقليمية والدولية.

● رغم مرور أكثر من 400 سنة على خلاف المذهبين، لكننا للآن لا نعرف جوهر المشكلة والنزاع الكبير بينهما؟
– الخلاف الفقهي والعقائدي بين السُنة والشيعة لا علاقة له بمشكلة الصراع الطائفي الحالية، فهذه مشكلة حديثة، متعلقة بالصراع على السيادة والنفوذ داخل الدولة، وخطاب الكراهية المذهبي الذي يستعيد أحداثاً تاريخية وخلافات فقهية وعقائدية، ليستخدمها في الحشد والتعبئة الجماهيرية.. هو أداة يتم توظيفها في الصراع السياسي، لذلك المشكلة ليست في الخلافات المذهبية، بل في الصراع السياسي على أساس الانتماءات المذهبي، في ظل غياب جماعة وطنية سياسية توحد الناس تحت لوائها في بلداننا العربية، وتمثل مصالح كل المواطنين، من خلال مؤسسات الدولة التي تفتح أبوابها للجميع، تظهر الجماعات المذهبية كراعية وحامية للفرد وممثلة لمصالحه في الفضاء العام، وتتصارع الجماعات المذهبية على النفوذ والحصص في الدولة، كما يحدث في لبنان والعراق، مثلاً.. وهكذا، فإن أصل الخلاف سياسي، وليس دينياً، والخطاب الديني يستخدم للتحشيد، لكن الصراع السياسي يسببه تسييس الجماعة المذهبية.

مفاهيم فلسفية

● ظهرت مفاهيم كثيرة جديدة كمفهومي «الكونية» و«الإنسانية» وما زال العرب يختلفون في ما بينهم على قضية واحدة المذهب.. لماذا يا ترى؟
– مع تقديري لنوايا وطموح من يرفع شعارات الكونية والإنسانية، إلا أنني لا أجد أن لهذه المفاهيم قابلية للتطبيق في واقعنا المعاصر، فهذه المفاهيم أولاً تحاول تجاوز التنوُّعات المختلفة بين المجموعات البشرية، فليس هناك إنسان مجرَّد، نحن كائنات لها تراث وتاريخ وثقافة خاصة، والإنسان يولد منغرساً في سياق ثقافي خاص، كما أن العالم مقسَّم إلى أمم، لكلّ منها شخصيتها وتاريخها وثقافتها الخاصة، وهذا التقسيم لم يتغيَّر، ولا أعتقد بأنه سيتغيَّر قريباً، ومفاهيم مثل الدولة الكونية وغيرها مازالت مفاهيم مطروحة في النقاش الفلسفي النظري، من دون أي تفاصيل حول طبيعتها وآليات تطبيقها.
طرح مفاهيم الإنسانية والكونية لتجاوز الصراع الطائفي لا يقدم شيئاً.. وباعتقادي، الهوية العربية المشتركة قادرة على جمع الناس كهوية سياسية قائمة على رابطة اللغة والثقافة العربية والتاريخ العربي المشترك، وهذا لا يلغي البُعد الإنساني للفرد العربي في التواصل مع الآخرين من الأمم الأخرى، لكنه يحدد هوية الجماعة السياسية التي ينتمي إليها الفرد، باعتبارها الجماعة العربية وليست الجماعة المذهبية.

● هل ما تطرحه كفكرة قريب من مفهوم «العلمانية»؟ وكيف؟
– للعلمانية تفسيرات عديدة، وأحياناً يتم تقسيمها من قِبل البعض إلى علمانية صلبة تقصي الدين من المجال العام وتحاربه، كما هي العلمانية الفرنسية مثلاً، وعلمانية سائلة لا تحارب الدين في المجال العام، لكنها لا تعطي المؤسسة الدينية دوراً في الدولة، كما هي الحال في الولايات المتحدة. وبغض النظر عن المسميات، فإن ما أطرحه هو رفض تسييس الهوية الدينية، ورفض استخدام الدولة وأجهزتها في فرض تفسير محدد للدين وفرض العقائد والمظاهر الدينية على الناس، لكن هذا لا يلغي الدين من المجال العام، باعتباره ظاهرة اجتماعية، ومن حق الناس أن يمارسوا طقوسهم الدينية في الفضاء العام بكل حرية، المهم ألا تتدخل الدولة في تحديد نمط تدين الناس، وأن يترك الدين للمجتمع، ويتحرر من قبضة الدولة في منطقتنا.

● برأيك، لماذا الحراكات الشيعية أكثر مرونة وقابلة للتغيير من الحراكات السُنية؟
– لا أدري، إن كان هذا الأمر صحيحاً.. في الحقيقة، أعرف نماذج لحركات سُنية وشيعية كانت مرنة وقابلة للتغيير ومراجعة نهجها وأفكارها.. وبالمثل، هناك حركات سُنية وشيعية متشددة وغير قابلة للتغيير، لكني أعتقد بأنه عند الطرفين لابد لحركات الإسلام السياسي أن تتحوَّل إلى أحزاب محافظة، ضمن اللعبة الديمقراطية وتحت سقفها، وتتخلى عن كونها واجهات سياسية لطوائف.

مصالح مذهبية

● لمصلحة مَنْ تعمل الطائفتان؟ وهل صحيح ما يُقال عن وجود أجندات خارجية لها أن تثير فتيل الفتنة بين الشعب؟
الطائفتان تعملان لمصالحهما، ومصالح الجماعة المذهبية في السياسة يمكن أن تتناقض مع مصالح الجماعة الوطنية أو القومية، لذلك يحصل استدعاء لكافة أنواع التدخلات الخارجية، فعندما نعرّف أنفسنا كشيعة وسُنة، فإن صداقاتنا وعداواتنا ومصالحنا ستختلف عن تعريفنا لأنفسنا كعرب، فتعريف الذات مذهبياً في السياسة يغير الصداقات والعداوات، ويجعل الآخر المختلف مذهبياً العدو الأول، والذي يمكن التحالف مع أعداء الأمة في سبيل الانتصار عليه.
عندما تعمل الطائفة لمصالحها السياسية، فإنها تستجدي الدعم الخارجي للانتصار على الطائفة الأخرى، وهذا يحول البلدان العربية إلى ساحات لصراعات القوى الخارجية ويحول هذه الطوائف إلى أدوات في صراع القوى الكبرى، ويمكن العودة إلى الحرب الأهلية اللبنانية كنموذج فاقع لهذا الأمر.

● في لقاء سابق أجريناه مع د.نادر كاظم، قال: «البنى التقليدية (الطائفية/المذهبية) مازالت فاعلة وبقوة في المجتمعات العربية، ولكن كثيرا من الديكتاتوريات كانت تعمل على تعميق هذه الانقسامات داخل المجتمع، وهي الوصفة التي تعمل هذه الديكتاتوريات على خلقها».. إلى أي مدى تتفق مع رأيه؟
– بالتأكيد، تعمل الأنظمة الاستبدادية على تعميق الانقسامات الاجتماعية، ليسهل عليها التحكم والسيطرة على المكونات الاجتماعية المختلفة وتنظيم الاختلافات بينها، وهي ترغب في الاستفراد بكل مكون اجتماعي على حدة، ومنع أي تلاقٍ بين المكونات الاجتماعية المختلفة على أساس مطالب وطنية، لأن هذا يديم سيطرتها واستبدادها.
كذلك، تفشل هذه الأنظمة في إيجاد هوية جامعة لمواطنيها، وهي تعمم قسراً هوية مذهبية تمثل فئة محددة على كل المواطنين، كما أنها تقيم علاقات ولاء على أساس المصلحة المادية بين المواطن والدولة، فالنخبة الحاكمة تصرف على المواطن و«تُحسن» إليه وهو يشكرها على ذلك دون أن يكون مساهماً في الإنتاج وفي مؤسسات الدولة، وفي كل الحالات لا يجد الفرد ملاذاً إلا الجماعات المذهبية التي تبقى الجماعات الوحيدة الفاعلة في المجال العام.

مفهوم الوطنية

● كنت قد تحدثت عن أن التسييس له أن يفتت «الوطنية».. فما مفهوم الوطنية الذي تعنيه؟
– أعني مفهوم الوطنية المعبّر عن وجود جماعة وطنية سياسية تمثلها دولة تعبّر عن مصالح هذه الجماعة، والفرد في هذه الجماعة يشعر بالولاء والانتماء لهذه الجماعة، باعتبارهم «أهله»، حتى لو لم يعرفهم فرداً فرداً، فالرابطة الوجدانية التي تجمعه بهم والمبنية على وجود هوية يشترك معهم في الانتماء إليها تجعله مستعداً للتضحية، من أجل هذه الجماعة، كما يستعد للتضحية من أجل أهله، وهذه الجماعة الوطنية (الشعب) هي أساس مفهوم الوطن الحديث.
مفهوم الوطنية هذا غائب عندنا، ويتم ترويج مفهوم آخر للوطنية متعلق بالولاء لأشخاص أو نخب حاكمة، واختزال الأوطان بهذه النخب، وهذا ما يجعل شعور الانتماء الوطني مفقوداً في الكثير من البلدان العربية، ويعوضه الفرد بالانتماء إلى طائفته أو قبيلته.
لا يمكن أن تنشأ وطنية حقيقية وانتماء وطني من دون وجود هوية تجمع المواطنين، وتؤكد رابطة قوية بينهم، تحمل حساً وجدانياً، وهذا ما يجعلني أردد أن الهوية العربية ضرورية لإحداث التماسك الاجتماعي وتعميق الانتماء الوطني في كل الدول العربية، لكونها هوية مشتركة وقادرة إذا تم تفعيلها سياسياً من قِبل الدول في عالمنا العربي على خلق الارتباط الوجداني المطلوب لجعل الانتماء الوطني راسخاً ومتيناً.

● ماذا نسمي الانقسامات الطائفية الأخرى، كالأكراد مثلاً؟ كيف يسمو مفهوم «المواطنة»، في ظل القمع الذي تعيشه هذه الفئة؟
– الأكراد ليسوا طائفة، بل هم جماعة قومية، مثل العرب، ولهم ثقافتهم الخاصة وطموحهم السياسي في تقرير مصيرهم وإيجاد كيان سياسي يمثلهم ويمثل مصالحهم القومية، وأعتقد بأنهم تعرضوا لظلم كبير على يد أنظمة قمعية رفعت شعار القومية العربية.
المواطنة، مبدأ يقوم على تساوي المواطنين جميعاً في ملكية الأرض والمؤسسات، وهي صيغة قانونية تساوي المواطنين في الحقوق والواجبات، بغض النظر عن خلفياتهم الدينية والعرقية، وإذا ساد مبدأ المواطنة في مؤسسات الدولة، فإن المواطن الكردي سيكون مثل العربي في الحقوق والواجبات، كما أن للأكراد الحق في خصوصية ثقافية، وأيضاً أؤيد حقهم في تقرير المصير ضمن تسوية شاملة في المنطقة تشمل العرب والأتراك والإيرانيين.
للأقليات غير العربية حقوق ثقافية، والمواطنة تجمعهم مع الأغلبية العربية في الدول التي يوجدون فيها، وأتصور أن أوضاعهم الآن أفضل بكثير مما كان عليه الأمر في مراحل سابقة.

مشروع بديل

● ألا تعتقد بأن ما تقدمه مثاليا؟ أو على الورق، ففي الواقع لا يحتمل أحد الطرفين تقديم تنازلات لحل أي أزمة بينهما؟
– ما أطرحه ليس تقديم تنازلات من الطرفين والوصول إلى صيغة توافقية بين الطوائف على الطريقة اللبنانية أو العراقية، بل الخروج بالكامل من حلقة الطائفية التي يفرضها تسييس الانتماء المذهبي، وهذا طرح يحاول تقديم حل جذري يقوم على إيجاد مشروع بديل عن مشاريع الطوائف، يعبّر عن مصالح مجمل المواطنين العرب وليس عن مصالح رعايا طائفة محددة.
المطلوب أن تنشأ كتلة وطنية تخرج من الاصطفافات الطائفية، وتقدم مشروعاً يشمل كل المواطنين، بدلاً من المشاريع الطائفية، ويقوم على المواطنة والهوية الوطنية الجامعة والتحوُّل نحو دولة المواطنين التي تفتح أبواب مؤسساتها للجميع من دون تمييز.

Print Friendly, PDF & Email

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *