الرئيسية » قضايا وآراء » فجر الخليفة : تحدَّثت الأمة وشُدهت السلطة

فجر الخليفة : تحدَّثت الأمة وشُدهت السلطة

فجر الخليفةكان المشهد يوم الجمعة الماضي تاريخياً وغير مسبوق وفي غاية الوضوح.. عشرات الآلاف من المواطنين يسيرون كتفاً بكتف معبرين عن رفضهم للتدخل القسري في الانتخابات من قِبل السلطة.

وفي اليوم التالي كان الاستحقاق الذي اختبرت فيه المقاطعة ومؤيدوها.

ثم كانت النتائج التي عرفتموها جميعاً، فقد حدد وزير الإعلام نسبة المشاركة بـ40 في المائة، وحددتها كتلة الأغلبية بـ.7 26 في المائة، فيما حددتها حركة حدم بـ 34 في المائة، وأياً كان المصدر، فالنتيجة واحدة لن تتغيَّر.

فقد نجحت المقاطعة وتحدَّثت الأمة، فيما شُدهت السلطة ومُواليها، حتى خرجوا علينا ببدعة جديدة على لسان وزير الإعلام، تعتمد نسبة المشاركة في الانتخابات الماضية كمرجعية لحساب نسبة المقاطعة.

هنا يتضح حجم الورطة والإنكار الذي تعيش فيه السلطة ومُوالوها، وهنا أيضاً تتجلَّى أزمتنا في عقلية السلطة التي لا تدري، ولا تريد أن تدري، وعندما أجبرت على مواجهة الواقع، من خلال استحقاقي المسيرة والمقاطعة، غرقت في حالة من الإنكار وعدم التقبُّل لحقيقة الرفض الشعبي والسقوط السياسي لمجلس (السلطة) الحالي، الذي ولد ميتاً وسيوارى الثرى خلال أشهر معدودات.

من شاهد المسيرة أو حضرها وتابع ما تلاها من أحداث، لا بد أن يتساءل: ما الذي تغيَّر في المجتمع، لنرى كبار السن على مقاعد متحرَّكة في المسيرة الماضية؟

ما الذي تغيَّر في وعي أبناء القبائل، ليتحولوا لوقود للحراك الشبابي، بحكم تفوقهم العددي؟

كيف أصبح عدم وصول أي من أبناء القبيلة لمجلس الأمة سبباً للاحتفال وتنظيم المسيرات، كما حصل في الدائرة الرابعة يوم السبت الماضي، وكما حصل في الدائرة الخامسة يوم الأحد الماضي؟

ما الذي استجد ليترك الناس راحة منازلهم، ويلجأوا للشارع للاعتصام خلال السنوات الثلاث الماضية؟

ما الذي تغيَّر في السنوات الخمس الأخيرة ليتم حل مجلس الأمة فيها بعدد المرات التي تم حله فيها منذ بداية العمل بالدستور في مطلع الستينات؟

في محاولة للإجابة، نقول:

نعم، استعداء السلطة للقبائل ساهم في تسارع عملية نضجهم السياسي.

ونعم كبيرة، الحراك الشبابي المتواصل منذ 2005 القادم بروح جديدة ومختلفة سحب البساط من الحركات السياسية التقليدية فتبعته مرات، واستفادت منه في أخرى، ورفعت سقفها لمجاراته في أحيان كثيرة.

ونعم أخرى، فشلت السلطة في اقتناص الفرص التي منحتها لها تيارات بعينها، من خلال حُسن ظن تلك التيارات بالسلطة، ليساهم هذا الفشل في حسم هذه التيارات لموقفها في الانحياز للحراك المعارض.

لكن التغيير الأكثر تأثيراً كان في السلطة ذاتها، بحُكم أنها الطرف الأقوى في المعادلة، حيث عاودت نشاطها في تقليم مخالب الديمقراطية المنقوصة، وازداد إصرارها وشراستها في تطويع مجلس الأمة وتحويله لمجلس للسمع والطاعة.

ولعل الأيام المقبلة تحمل في جنباتها المزيد من الأجوبة لهذه النقطة بالذات، التي كلما حاولنا الإجابة عنها، وجدنا أنفسنا قد تورَّطنا في مزيد من الأسئلة، عوضاً عن إيحاد تفسيرات.

أما بعد، فإن السؤال المستحق اليوم هو ماذا بعد؟ ما الخطوة التالية التي سيتخذها طرفا النزاع، السلطة والمعارضة، بجميع أطيافها الشبابية والكتل النيابية والتيارات السياسية؟

أما الأولى، فقد علمتنا التجربة أن نتوقع منها الأسوأ، ومع هذا لن نبخل بالنصح ونقول لا بد من وقفة ومراجعة للخيارات التي اتخذتها وانتهت بها إلى هذه النقطة.

وأما الثاني، وأخص هنا الطيف الشبابي من المعارضة، فقد أثبت نفسه مراراً خلال العامين الماضيين واستمرت عملية نضوجه وصعوده معاً، وسيستمر هذا الحراك حتى تحقيق وترسيخ ديمقراطية حقيقية بالتحوُّل للنظام البرلماني الكامل بأحزاب وحكومة منتخبة كهدف نهائي، أما الهدف المرحلي الحالي، فيتمثل في إسقاط هذا المجلس فعلياً، بعد إسقاطه، سياسياً وشعبياً، والدعوة لانتخابات جديدة وفقاً للنظام الانتخابي السابق، على أن يقوم أول مجلس شرعي منتخب بتعديل هذا النظام، بما يضمن العدالة والمساواة لجميع المواطنين، ومن ثم تدشين مرحلة الإصلاح السياسي الشامل.

Print Friendly, PDF & Email

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *