الرئيسية » قضايا وآراء » علي حسين العوضي : في الذكرى الثالثة لرحيل أحمد البغدادي.. أوتاد التنوير لن تهتز

علي حسين العوضي : في الذكرى الثالثة لرحيل أحمد البغدادي.. أوتاد التنوير لن تهتز

علي العوضييصادف غداً الخميس الثامن من أغسطس الجاري الذكرى الثالثة لرحيل د. أحمد البغدادي «1951 – 2010»، الذي يعد أحد أهم كتاب فكر التنوير في الكويت في السنوات الأخيرة ما قبل وفاته، لما شكلت كتاباته من محاولات جادة لخلق حالة من الاستنهاض الفكري في كل المجالات السياسية والثقافية، بل إنه خاض معارك ضد المتزمتين والمتلحفين بالدين، وكان تصديه لهم ينم عن رؤية نوعية يتمتع بها في هذا الاتجاه، ويعتبر أيضاً من أكثر المفكرين الكويتيين جدلاً، حيث أثارت كتاباته نقاشاً كبيراً، سواء بين مناصريه أو معارضيه.

أما لهذا التخلف من نهاية؟

لم تخلُ آراء البغدادي من صدام عنيف مع معارضيه من تيار التأسلم السياسي، فقد حوكم لأكثر من مرة على خلفية كتاباته وآرائه كما حدث في عام 2005 إثر نشر مقال له في صحيفة السياسة بعنوان «أما لهذا التخلف من نهاية؟»، وقد رفض في هذا المقال الذي نشر بتاريخ 5 يونيو 2004 تدخل وزارة التربية في المناهج الدراسية المقررة في المدارس الخاصة، والتي تجبر فيها على تدريس بعض المقررات الدينية في الوقت المخصص لحصص الموسيقى والأنشطة الأخرى·

ورأى في مقاله أن من حقه كولي أمر اختار أن يدفع رسوماً مالية مقابل تدريس أبنائه في مدارس أجنبية، ألا تتدخل الوزارة لفرض مناهج دينية لتخريج «رجال دين» على حساب حصص الموسيقى والأنشطة التي تنمي مواهب الطلبة، وقال: «أريد من ابني أن يتعلم اللغات الأجنبية، فهي خير له من اللغة العربية الميتة، وأن يتعلم الموسيقى ليتراكم لديه الحس والذوق الفني، وأن يتعلم المزيد من العلوم الحقيقية التي ستنفعه في حياته، كالكيمياء والفيزياء والتاريخ والعلوم الاجتماعية».

وكان عام 1999 قد شهد أيضاً حكماً على البغدادي بعد إدانته بالاساءة الى الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ في مقال له نشر في إحدى المجلات الطلابية في جامعة الكويت.

تعليم مدني

طالب د. أحمد البغدادي في مقابلات إعلامية بإغلاق والغاء كلية الشريعة من ضمن منظومة جامعة الكويت، لأنها تساهم، بحسب رأيه، في تخريج «الارهابيين»، ودعا إلى تحويلها، إضافة الى المعهد الديني، من التعليم الديني الى التعليم المدني، وقال إن هناك صراعاً بين الاساتذة «المؤدلجين» يجب القضاء عليه.

الحداثة والإسلام

طروحات البغدادي كثيرة ومثيرة في أغلب الأحيان، وكان لا يتوقف عند حد معين، بل كان يحاول إيصالها بشتى السبل.

ففي حوار مثير له في جريدة «الجريدة» نشر في 27 أغسطس 2008، قال: «إن أي شعب يفشل في مضمار الحضارة يلجأ إلى الدين أو التاريخ، ليعوض خسارته، باعتبار الدين درعاً حامياً لأي خروقات خارجية، والتاريخ الوسيلة للغرق في الماضي الجميل، بالتالي لا يدرس الماضي دراسة نقدية، وفي الوقت نفسه لا يريد معالجة دينه بالفكر المعاصر. بما أن الدرع التاريخي في الكويت ضعيف، لا يبقى إلا الدرع الديني، ممثلاً بالطقوس الدينية».

وأضاف في الحوار ذاته أن الإسلام لا يقف ضد «التحديث»، بل ضد «الحداثة»، «لأن الأول أدوات، لكن الثانية فكر، فإذا أخذنا التحديث من دون الحداثة سنتوقف ونتجمد، لأننا حينها نستورد «التحديث» مثل: الإلكترونيات، وسائل الاتصالات والنقل ونرفض الفكر الذي يقف وراء هذا المنتج. يتحدث جزء من هذا الفكر عن حرية الإبداع، وانطلاق الفكر الإنساني نحو مجاهل غير مألوفة، لا سيما ما يتعلق منه باستخدام المنهج العقلي النقدي في تمحيص النصوص الدينية وغير الدينية.

من هنا تأتي قناعتي بأن الإسلام لا يمكن أن يتقبل الحداثة التي ترى أن الدين يجب ألا يتجاوز حدود المعبد. لا يتقبل الدين الإسلامي سوى الأديان السماوية الثلاثة، في حين أن الحداثة تتقبل جميع الأديان، المؤمنة والملحدة. مستحقات الحداثة قوية ومكلفة فكرياً ولا يستطيع أن يتقبلها الإسلام».

حقيقة الرؤية

تنطلق الرؤى التي تبناها د. أحمد البغدادي من حقيقة أطرها بنفسه، وذلك بقوله «لكي نتمكن من بحث صلاحية الاسلام لكل زمان ومكان على إطلاقه، لا بد أن نعطي لأنفسنا ولغيرنا حق البحث العلمي وبتجرد في هذه المقولة، بمعنى أن طرح علامات الاستفهام يجب ألا يؤدي الى التكفير والاتهام بالردة عن الدين، ومن ثم الدعوة الى معاقبة من يريد بحث هذه المقولة بالقتل، ذلك أن هذا الأسلوب يمثل إرهاباً فكرياً..».

بهذا الفهم كانت كتابات أحمد البغدادي الناقدة والحادة أحياناً ضد العديد من الأفكار التي رآها لا تتماشى مع الاسلام، ومن هنا أشار إلى أن «كل حكم ديني أو مدني يحتاج إلى واقع ينشأ فيه لمعالجة قضية قائمة، ولا يمكن بأي حال من الأحوال التشريع للمستقبل أو التفريعات المحتملة لكل قضية». ويذهب البغدادي نحو التأكيد على ضرورة أن يكون لكل حكم ديني سبب مخصوص محدد بظرفي الزمان والمكان وأحوال أهل الموضوع، أي أننا بحاجة اليوم إلى الحكم الديني وفقاً للموقع الجغرافي.

تساؤل مشروع

وهذا الاتجاه في فكر البغدادي يفتح المجال بطبيعة الحال إلى تحديث الأحكام الدينية قدر الامكان بما يسمح ويفسح لاستخدام العقل للوصول نحو المطلوب بعيداً عن «سطوة النص الديني». ويتساءل البغدادي في هذا الاطار «هل يعقل أن تعجز كل عقول الفقهاء من رجال الدين في أرجاء العالم العربي عن تقديم القوانين اللازمة لمعالجة مختلف القضايا؟ خصوصاً مع وجود قاعدة فرضت على الجميع وتتمثل في «لا اجتهاد مع وجود النص»، وهي التي قيدت أعمال العقل الانساني في استنباط وإقرار أحكام جديدة تتماشى مع العصر الذي نعيش به؟».

حقائق مثيرة أخرى جسَّدها فكر البغدادي، تكمن في أن المسلمين يعيشون اليوم ازدواجية في التعامل مع الدين والدنيا، وهم يعيشون في ظل علمانية جزئية أبوا أم شاءوا، فالدولة الدينية لم تعد قادرة على تلبية مطالب الحياة، وهنا يرى البغدادي «أن فصل الدين عن الدولة أصبح من حقائق الحياة التي لا يمكن تجاوزها، وأن هذا الفصل لا يعني بأي حال من الأحوال الانفصال عن الدين، لأن الدين من حقائق الحياة»، وهذا الأمر متعلق بتطور الحياة وتعدد القضايا وتعقد المشاكل الذي تجاوز حدود النص الديني، ما خلق واقعاً من الصعوبة تجاهله.

شخصنة الدين

هنا يطرح البغدادي أهمية «شخصنة الدين» أي اعتبار الدين علاقة شخصية بين الله وعباده، معللاً ذلك بأن «اقحام النص الديني في الشأن الدنيوي ساهم في استمرار الاستبدادين السياسي والديني، حيث نجحت الأنظمة المسلمة في استخدام النص الديني لقمع الحريات الفكرية، فكانت النتيجة أن أسيء للدين لاطالة عُمر الاستبداد السياسي، من خلال انتهاك حقوق الانسان وطاعة أولي الأمر وإرهاب المثقفين ومنع تطور الفنون حتى توقف الابداع في كل مجالات، وكل هذا باسم الدين».

سيرة ذاتية

تنقل البغدادي في كتاباته بين العديد من الصحف الكويتية، والتي من أبرزها «الطليعة» و«الأنباء» و«السياسة»، و اختتم مسيرته ككاتب في عموده اليومي «أوتاد»، وكانت كتاباته تحدياً واضحاً ضد تيار التأسلم السياسي.

حصل البغدادي على ليسانس العلوم السياسية من جامعة الكويت عام 1974، تلاه ماجستير في الفكر السياسي الغربي من جامعة كلارك الأميركية عام 1977، ثم شهادة الدكتوراه في فلسفة الفكر الإسلامي من جامعة أدنبره الاسكتلندية عام 1981، وتولى رئاسة قسم العلوم السياسية في جامعة الكويت بعدما تدرج فيها معيدا فمدرسا ثم أستاذا.

كتب البغدادي في مجالات متنوعة، وكرس جهوده في سنواته الأخيرة في عمليات التنوير، كما أصدر عدداً من المؤلفات من أبرزها: «حزب التحرير: دراسة في مفهوم الدولة الإسلامية»، «الفكر السياسي لأبي حسن المودودي»، «دراسات في فقه السياسة الشرعية»، «تجديد الفكر الديني»، «دعوة لاستخدام العقل: محاولة في قراءة عقلية للفكر الديني»، «أحاديث الدين والدنيا: الواقع المفارق للنص الديني»، «عبدالله السالم: إنسانا ورجل دولة»، وغيرها من المؤلفات والإصدارات.

Print Friendly, PDF & Email

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *