الرئيسية » سعاد فهد المعجل » سعاد فهد المعجل : الإرهابيون والمعتدلون.. وجهة نظر إعلامية

سعاد فهد المعجل : الإرهابيون والمعتدلون.. وجهة نظر إعلامية

سعاد فهد المعجل
سعاد فهد المعجل

تغير مفهوم الإعلام التقليدي مع قدوم الثورة المعلوماتية وسيطرة وسائل التواصل الاجتماعي على مسار الخبر، بشكل جعل كل فرد مراسلاً، بل وأحياناً من قلب الحدث.

لكن هذا لا يعني انتهاء نفوذ مافيا الإعلام الجبارة، التي لاتزال تملك قوة تشكيل الرأي العام، والتحكم في ما يفكر فيه الناس وما يعتقدونه.

في المجتمعات التي تتمتع بقدر كبير أو حتى معقول من الشفافية يكون تأثير الإعلام متماشياً مع ما تمنحه مثل هذه الشفافية من قنوات معلومات وأخبار مختلفة التوجهات والآراء، لكن في مجتمعاتنا المغلقة لا تزال مافيا الإعلام هي المتحكم الأول في الرأي العام، سواء من خلال ما تمليه من أخبار، أو عن طريق حجب قنوات (غير مرغوب فيها) أو صحف (مشاغبة).

قرأت أخيراً تقريراً للصحافي الأميركي الحائز جائزة «بولتزر» للصحافة سيمور هيرش، تناول فيه حقيقة استخدام غاز السارين في 21 أغسطس الماضي في دمشق.
تقرير «هيرش» لا يدعم أي طرف، ولا يتهم طرفاً في استخدام هذا الغاز الكيماوي، إنما يتحدث عن كيفية تلاعب الإدارة الأميركية في التقارير الأميركية الواردة كل صباح في ما يُعرف بـ«التقرير الصباحي»، حيث يتم تغيير التسلسل الزمني للأحداث، وبشكل يمكن الإدارة من اتهام الطرف الذي ترغب هي في توجيه التهم إليه، وهو هنا يشير إلى أن تهمة استخدام غاز السارين، وفقاً للتقارير الصحيحة، وليس الملاعب بها، يمكن أن توجّه إلى النظام السوري أو إلى جبهة النصرة، لكن الإدارة الأميركية «عدّلت» في التقرير، لتتمكن من تبرير عملياتها العسكرية ضد جيش النظام السوري.

وهذه كما يقول الكاتب عادة استخدمها الأميركان من قبل حين تم التلاعب في تسلسل المعلومات الاستخباراتية الزمني أيام إدارة الرئيس جونسون، لتبرير قصف فيتنام الشمالية.

دوافع سيمور هيرش من وراء كتاباته هذه ليست سياسية، بقدر ما هي دوافع تمليها عليه أمانته وشفافيته الصحافية، فهو الذي تنسب له عملية الكشف عن فضيحة التعذيب في سجن «أبوغريب»، ولا يزال صوته يتهدج عندما يتذكر ما ورد في تقريره حول الصور الصادمة لسجناء عراقيين عراة تم إذلالهم جنسياً وتعذيبهم واقتيادهم خلف بعضهم كالكلاب، بينما يقف جنود أميركيون مستمتعين بالتقاط الصور لأولئك السجناء.

ولايزال «هيرش» يكرر رغم مرور كل هذه السنوات على فضيحة السجن، أن الولايات المتحدة لم تتعلم أي شيء من ذلك، وأن المأساة يمكن أن تتكرر، طالما أن الحروب مستمرة.

نحن جميعاً نتذكر كيف كان كولن باول يتحدث في الكونغرس وهو يستعرض صوراً التقطتها الأقمار الصناعية حول «نووي» صدام حسين وجيشه الذي لا يُقهر، لنفاجأ بعد حرب 2003، بأن «النووي» كان غلطة في التوقعات الأميركية، وأن الجيش العراقي المتهالك ليس أقوى رابع جيش في العالم.

الإعلام اليوم، وفي ظل الثورة التكنولوجية، أصبح هو الجيش الجرار، وهو الذاكرة السياسية، هو الذي يُقسّم العالم إلى مع وضد، إلى إرهابيين ومعتدلين، بشرط أن يكون كل ذلك وفق أهواء مُلاّك الإعلام وحدهم.

Print Friendly, PDF & Email

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *