الرئيسية » قضايا وآراء » ناصر العطار : حلم الأمومة ليس كابوساً

ناصر العطار : حلم الأمومة ليس كابوساً

ناصر العطار
ناصر العطار

المشهد الإنساني الذي ظهر قبل عدة أيام، وفيه ضابط شاب يبكي في يوم تخرجه في كلية سعد العبدالله للعلوم الأمنية، لفقدانه والده الذي رحل عن الدنيا قبل أن يراه في يوم سعادته بالتخرج، كان مؤثرا، حيث يوضح مكانة الوالدين في حياة الإنسان، تلك المكانة التي ينسج الحب أواصرها بتلقائية بين الوالدين والأبناء، فلا تعرف التصنع أو النفاق، لذلك فمن الجدير المحافظة على هذه المكانة، من خلال عدة مفاهيم ووسائل.

إن إثقال كاهل الوالدين بمسؤوليات مستمرة بشكل مفرط للغاية، أو توجيه لوم شديد ودائم للأبناء على كل خطأ يجعل من حياة الأسرة بركانا لا يعرف الاستقرار والسكينة، ما يؤثر سلبيا في حياة الفرد، وبالتالي يسري هذا التأثير على حياة المجتمع ككل. إن شعور الإنسان العربي بالبؤس والتقزيم طوال سنوات عمره بحاجة إلى إعادة نظر، حتى لا تبدو حياته مليئة بالشقاء والتجهيل وخالية من الفرح والمرح والفكر المبدع المحب للتعلم والقادر على حل المشكلات. أيام قليلة تفصلنا عن الاحتفال بعيد الأم في 21 مارس من كل عام ، وفي مثل هذا اليوم سيقدم الناس لأمهاتهم ورودا أو هدايا ودعاء بطول العمر والصحة، أو بالرحمة والمغفرة لمن فاضت روحها إلى بارئها، مصحوبا ربما باعتذار عن وقوع زلة أو تقصير غير متعمد، يكاد قلب كل فتاة وعقلها يحلم بالأمومة، لكن في المجتمعات العربية ليس من المستغرب أبدا أن ينقلب حلم الأمومة إلى كابوس يخيم على حياتها، فكيف يتم ذلك؟

في المجتمعات العربية تتم غالبا تربية الأولاد على الاستفراد واللامبالاة بالغير، فيشعر بعض الأولاد بالغرور والاستكبار، بينما تشعر بعض الفتيات بالانعزال والتحقير اللاإرادي للنفس، وبأن عليهن نيل رضا الأولاد، في إطار الزواج تكبر في نفوس بعض الرجال ما نشأوا عليه في بيئتهم الأولى، فلا يظن أن الزوجة إنسانة مثله، ولا يحسب لاحترام كرامتها وشخصيتها واختياراتها وطبائعها أي حساب، يستغل بعض الرجال في المجتمعات العربية الفوارق الطبيعية بين الرجل والمرأة أسوأ استغلال، فيتصورون أن القوة تكون في الصراخ والضرب، وأن الحب ليس سوى عاطفة أنثوية يجب ألا يشعر بها الرجل، حين يحقق الله حلم الأمومة للزوجة، الذي هو في حقيقته حلم بناء أسرة تجمع المودة كل أفرادهاز

يبدأ بعض الأزواج بالتملص شيئا فشيئا من المسؤولية المشتركة، فيقتصر واجبهم على الصرف المادي، ولا شيء غيره، رغم مشاركة زوجاتهم عفويا في الصرف والمساعدة في تحمل تكاليف المعيشة، إلا أن عنجهية بعضهم وهروبهم إلى أحوالهم الخاصة وملذاتهم يجعل من حلم الأمومة كابوسا لا يطاق.

إن اعتبار الأم إنسانة لها حريتها في إبداء رأيها وفي التعبير عن ذوقها والاهتمام المبكر بصحتها وعدم عزلها عن مجتمعها، لهو في ظني تقدير أكبر من كل الورد والهدايا التي تستحقها بلا جدال.

هناك تقدير آخر مهم للأمهات في عيدهن يكمن في عدم جرف أولادهن وبناتهن إلى مستنقعات التناحر والاقتتال الطائفي والحروب العبثية. كثيرة هي مشاهد الذبح في سبيل العنصرية والتطرف والجشع والمصالح الخاصة في داخل الوطن العربي، والتي امتدت خارجه، فأي عيد هذا الذي تحتفل فيه الأم المفجوعة على أبنائها أو المرعوبة عليهم؟

Print Friendly, PDF & Email

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *