الرئيسية » آخر الأخبار » عبد الله النيباري : برنامج الحكومة الإصلاحي.. لا جديد فيه ولا يحمل جدية

عبد الله النيباري : برنامج الحكومة الإصلاحي.. لا جديد فيه ولا يحمل جدية

عبد الله النيباري
عبد الله النيباري

بعد عشرين شهراً، حملاً ومخاضاً عسيراً، ولدت الحكومة فأراً، وعمّدته باسم وثيقة أو «برنامج الإصلاح المالي والاقتصادي»، ملخصه بيع قطاعات الدولة للقطاع الخاص، مع إغراء لرجال الأعمال، بما فيها إدارة المدارس والمستشفيات والموانئ والمطارات، باعتبارها أنشطة واعدة باحتمالات تحقيق الأرباح، ورشوة المواطنين، بمنحهم أسهما في الشركات التي ستحل محل الدولة، وتصويرها بأنها مشاريع مدرّة للأرباح بنسبة 12في المائة سنوياً لكل مشروع.

هذا ملخص برنامج الحكومة للإصلاح المالي والاقتصادي، الذي احتوى تفاصيل كثيرة، وتناولها يحتاج إلى مناقشة وتحليل مفصَّلين، لكن لا بأس من استعراض بعض الملاحظات الأولية..

هذا البرنامج لا تدعمه دراسات موضوعية تُيسر الاقتناع به أو ابتلاعه، ففكرة أن القطاع الخاص أكثر كفاءة من القطاع العام قد تكون صحيحة بالمجمل وبشكل عام، لكن أيضاً له إخفاقاته ومثالبه، وعلى الأخص في الكويت، فهناك تجارب عليها مآخذ في ممارسات القطاع الخاص، ومنها على سبيل المثال: تجربة الموانئ التي أعطيت بعض أنشطتها له، مثل مناولة تنزيل البضائع المستوردة، وهي ممارسة تعج بالمشاكل، حيث يشكو التجار ورجال الأعمال من التأخر في إنجاز تسلم البضاعة، وما يترتب على ذلك من دفع غرامات تصل إلى مبالغ باهظة.

ومثال آخر، الاستيلاء على أراضي الدولة، كما حصل في الخلاف بين إحدى الشركات وإدارة الموانئ، هذا بالإضافة إلى ممارسات شركة فحص المواد الكيماوية، وتقاضي أتعاب باهظة وتأخير من دون مبرر.

ومن ذلك أيضاً مشروع المنطقة الحرة، الذي تحوَّل إلى مكاتب تجارية ومقاهٍ وفنادق، ومخالفات أدت إلى سحب المشروع.

والشيء نفسه يذكر بالنسبة لخصخصة أسواق الخضار واللحوم والأسماك، التي تحوَّلت إلى مولات ومجمعات ومتاجر أدت إلى شكوى أصحاب العقارات وكذلك المخالفات التي شابت مشروع أسواق القرين. يُضاف إلى ذلك، أن الفساد الذي يشكو منه الناس له طرفان؛ الأول أجهزة الدولة، والآخر القطاع الخاص، فنحن أمام راشٍ ومرتشٍ، ومن أبرزها الحصول على تراخيص برفع نسبة البناء التي ولدت الاكتظاظ المريع في مناطق حولي والسالمية والفروانية والفحيحيل والشعب، كل ذلك بسبب المخالفات.

وبالعودة إلى القطاع الخاص التقليدي قبل النفط، وفي المراحل الأولى من عهد النفط حالياً، نجد أن الوضع مختلف، فهناك نجاحات مرموقة، أهمها البنوك، مع بعض الاستثناءات، كما حصل مع بنك الخليج، لكن ماذا عن فشل الشركات المدرجة في سوق الأوراق المالية؟ وكيف نفسّر ظاهرة تدني أسعار أسهم 103 شركات من أصل 200 شركة، إلى أقل من السعر الاسمي، لتفاقم خسائرها وفقدان حقوق المساهمين.

أما ما يتعلق بزيادة الإيرادات، فقد تضمن البرنامج فرض ضريبة في حدود 10 في المائة على أرباح الشركات، في حين ان الوضع القائم في الكويت، الكثير من أنشطة القطاع الخاص يملكها أفراد أو أو عوائل، وهناك أنشطة تدرّ أرباحاً مجزية لا تملكها شركات، وأهمها مثلاً النشاط العقاري، هذا إلى جانب الدخول المرتفعة للعاملين في الدولة، نتيجة الارتفاع المبالغ في المرتبات والبدلات والمكافآت، بما فيها مكافآت نهاية الخدمة، التي تصل إلى مئات الألوف من الدنانير، ومعالجة هذا الوضع تكمن في فرض ضرائب على الدخل وفق شرائح.

ومن المقترحات التي وردت في البرنامج فرض ضريبة مبيعات بنسبة 5 في المائة، في حين أنه من الأيسر تحصيل هذه النسبة عن طريق زيادة الضريبة على الواردات، وهو الأمر الأجدى من الناحية العملية، فضريبة المبيعات تحتاج إلى إنشاء جهاز أو هيئة جديدة وأنظمة أكثر تعقيداً ووقتاً طويلاً، للوصول إلى مرحلة تحقيق النتائج المرجوة.

كما تطرَّق البرنامج إلى تأخر تحصيل الإيرادات المتأخرة وتعظيمها، وهو ما يعني سوء الإدارة وتقصيرها في تحصيل مستحقات الدولة.

وهنا نأتي إلى المشكلة الكبرى، التي تتمثل في كفاءة الجهاز الإداري، وسبب انخفاضها وتدنيها، ويعود ذلك إلى سببين؛ الأول: الأنظمة العقيمة والمعوقة، والثاني: تدني كفاءة العاملين، وهذان العاملان هما لبّ المشكلة ومنبع كل مثالب الإدارة الحكومية، وعلاجهما هو الحل للمشاكل التي تناولها برنامج التنمية البشرية، ابتداء بالتعليم والتدريب أثناء الوظيفة، والمساواة في التعيين والترقية وتبوؤ المناصب على أساس الجدارة والكفاءة، لا بالواسطة، أو «مدة ايدك»، إلى جانب تحقيق الانضباط في ممارسات الأعمال، ووضع حد لمسألة الانصراف بعد صلاة الظهر، أو عدم الحضور باستخدام البدلاء.

هناك مَن يرى أن البرنامج لا يوحي بالجدية، فهو لا تسنده دراسات موضوعية وتحليل للواقع، فمثلاً هل درسنا موضوع المشروعات الصغيرة ومدى نجاحها؟ فإحدى الملاحظات بشأنها، أنها توظف شخصاً واحداً، وأن الكثير من مشاريعها عبارة عن مقاهٍ ومطاعم يرتادها موظفو الدولة، بدلاً من التواجد في المكاتب، وهذا يتطلب دراسة مدى نجاح فكرتها.

وأخيراً، وهو الأهم، تحويل الأنشطة الحكومية إلى القطاع الخاص، وهنا لابد من الإشارة إلى أن التنمية ليست فقط زيادة الإنتاج والأرباح، بل خلق فرص للعمالة الوطنية، فالظاهرة البارزة في الكويت، وإلى حد كبير دول الخليج، أن القطاع الخاص لا يميل إلى توظيف المواطنين، لأسباب عدة، وكذلك المواطنون لا يميلون إلى العمل في القطاع الخاص.. فوفق دراسة قدمت أخيراً في ورشة عمل عقدت بالكويت، أوضحت أسباب ذلك بأن أصحاب المشاريع يرون في العمالة الوطنية عبئاً ثقيلاً، وفي المقابل فإن العاملين يرون أن القطاع الخاص لا يضمن الأمان الذي توفره الوظيفة الحكومية.

الخلاصة، وأنقل رأي بعض الاقتصاديين، أن البرنامج لا يوحي بالجدية، فهو ليس بجديد، بل ورد معظمه في خطة التنمية الاقتصادية، وآخرها الخطة الحالية، التي لم ينفذ منها ما هو محرز أو معتبر، وأن البرنامج، كما الخطط التنموية السابقة، ما هو إلا لتمرير رفع أسعار البنزين والكهرباء والماء.

مازلت أكرر، إن مقترحات الحكومة يجب أن ترفدها دراسات موضوعية تحليلية للواقع والوضع الحالي، والتصحيح المطلوب، والنتائج المحتملة، لكي يقتنع الناس.

Print Friendly

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *