الرئيسية » آخر الأخبار » الشهادات الوهمية أمام النيابة مجدداً 68: دكتورا مزيفا.. بعضهم مسؤولون في جهات الدولة

الشهادات الوهمية أمام النيابة مجدداً 68: دكتورا مزيفا.. بعضهم مسؤولون في جهات الدولة

السرقات الأكاديمية تهدد مستقبل الأجيال
السرقات الأكاديمية تهدد مستقبل الأجيال

كتب محرر الشؤون المحلية:
تفاقمت تبعات الشهادات الوهمية، بصورة تستلزم التحرك العاجل، لمحاصرة المتاجرين بالعلم، والمتسابقين للحصول على لقب «دال»، بأي ثمن، بحثاً عن الوجاهة الزائفة والمكانة الاجتماعية غير المستحقة، أو بالأحرى خطف المناصب والامتيازات، حتى لو كان ذلك على حساب الضمير العلمي والإنساني.

وفي تطور لافت وخطير، كشفت مصادر مطلعة عن إحالة 68 دكتوراً مزيفاً إلى النيابة، وتبيَّن أنهم اشتروا شهادات مزيفة من جامعات مشبوهة، لكن المفاجأة الكارثية التي أظهرتها التحقيقات في هذه القضية، تتمثل في أن «بعض هؤلاء الدكاترة المزيفين مسؤولون في جهات حيوية، ويتولون مناصب وصفت بأنها مفصلية».

وتساءلت المصادر: كيف تم تعيين هؤلاء المزورين من دون تدقيق في شهاداتهم ومسوغات تعيينهم، متسائلة: أين التنسيق المفترض بين الجهات المختصة، وعلى رأسها وزارة التعليم العالي، التي يفترض أن تضع آلية متطورة للتدقيق على الشهادات واكتشاف المزورة منها، قبل أن ينال صاحبها حقا ليس له؟

د.بدر العيسى
د.بدر العيسى

وأكدت المصادر أن الكثير من الكفاءات والكوادر الوطنية الحقيقية التي نالت شهاداته عبر الدراسة والاجتهاد والتحصيل العلمي مهمَّشة، فيما يختطف المزيفون الحقوق المشروعة، ويصبحون في الصدارة ويحتلون مكانة غير مستحقة على حساب المجتهدين والمتميزين.

وأشارت إلى أن التحقيقات التي أجريت أثبتت مفاجآت، حيث تبيَّن أن الكثير من هؤلاء الدكاترة المزيفين لم يغادروا الكويت إلى الدول التي حازوا الشهادات منها، وبالتدقيق على وقائع الدخول والخروج في المطار والمنافذ الأخرى اتضح أنهم لم يبرحوا الكويت خلال المدة التي يفترض أنهم التحقوا فيها بالجامعات وسافروا إليها للاختبارات والمناقشات العلمية المطلوبة وغيرها، فهل مُنحوا الشهادات بالمراسلة؟!

أطباء مزيفون

ولم يقتصر التزييف على شهادات نظرية، وفق المصادر، فقد طال الأمر الطب الذي يتعلق بأرواحنا وصحتنا، حيث جرى اكتشاف 5 أطباء نالوا شهاداتهم بطرق «مشكوك» فيها، ورغم ذلك، جرى تعيينهم من سنوات في القطاع الصحي، وظلوا يعاينون المرضى ويصفون الأدوية، بل أجرى أحدهم عمليات جراحية في أحد المستشفيات.

وفي الوقت الذي تصاعدت فيه ظاهرة الشهادات المزيفة، أصبح لزاماً أن تتحرك الجهات المختصة، لغربلة الواقع العلمي، وضبط المتسابقين على شراء لقب «دكتور» بدفع المال، إما للوجاهة الاجتماعية، وإما للتفاخر، وإما للحصول على وظائف ومناصب وترقيات بلا جهد وبحث حقيقيين.

وكان وزير التربية وزير التعليم العالي د.بدر العيسى، أعلن عن إحالة 270 من حمَلة شهادات مزيفة إلى النيابة، وتبيَّن بالتدقيق عليها، أنهم انتفعوا بها، ويعملون في القطاع الخاص، معلناً عن تشكيل لجنة مكونة من خبراء ومختصين، لكشف الشهادات غير المعتمدة، التي جرى تعيين أصحابها في القطاعات الأكاديمية بالجامعة والهيئة العامة للتعليم التطبيقي والتدريب وغيرها من المؤسسات، لافتاً إلى أن أشخاصاً ترقوا بشهادات مزيفة وسيتم ضبطهم.

وأشار إلى أن مجلس الجامعة أقرَّ تشكيل لجنة أخرى، للكشف عن الشهادات الوهمية، مشدداً على محاسبة المتلاعبين بالعلم والمزورين للشهادات، «وستتخذ الإجراءات القانونية والإدارية المطلوبة».

وتابع: «ننتظر ما ستسفر عنه تقارير اللجنتين، لاتخاذ الإجراءات الكفيلة بالردع والمحاسبة، كما يجري التعاون مع وزارة العدل، لوضع التشريعات الرامية إلى الحد من ظاهرة السطو على نتاج العقول وحماية الملكية الفكرية، ومنع ظاهرة الشهادات الوهمية، فضلا عن التنسيق مع اللجنة التشريعية البرلمانية في هذا الشأن».

وتحدّث العيسى عن الأسباب التي أدَّت إلى هذه الظواهر المؤسفة، قائلاً: «تحوَّل العلم لدى البعض إلى قضية تجارية، وكثيرون يتسابقون للحصول على شهادات وهمية، إما للوجاهة والحصول على مركز اجتماعي، أو ترقية أو وظيفة، من غير أن يكلفوا أنفسهم عناء بذل الجهد في التحصيل العلمي بصورة حقيقية».

أساتذة يحذرون

من جانبهم، حذر أساتذة أكاديميون من الاستسهال في طلب العلم، مشيرين إلى أن المناخ العام يشجع على التكاسل والتراخي والتسابق على المظهرية، المتمثلة في نيل لقب «دكتور» بلا أي جهد، لافتين إلى أن هؤلاء المزيفين يدفعون الأموال لقاء نيل هذه المكانة غير المستحقة.

وكشف الأساتذة عن وجود عدد لا بأس به من الباحثين الذين نالوا الماجستير والدكتوراه عبر السرقات العلمية، حيث سرقوا أجزاء كاملة من رسائل علمية سابقة، ونسبوها إلى أنفسهم، ولم يكتشف أمرهم إلا بعد سنوات.

مستقبل الأجيال

ووصف أستاذ اللسانيات في جامعة الكويت د.سعد مصلوح الشهادات الوهمية وعمليات السطو على نتاج العقول، بأنها كارثة تهدد مستقبل الأجيال.

وقال إن «السرقات العلمية أو الفكرية داء قديم، ولعل له في ثقافات البشر – ومن بينها تقافتنا العربية – جذوراً تمتد إلى أعماق بعيدة، بيد أنه بين الماضي والحاضر في هذا الشأن فروق ظاهرة. لقد كانت السرقة في الماضي أحداثاً أحادية مبعثرة يرتكبها أفراد من الأمة ممن طار بهم الطموح وقعد بهم العجز. أما في هذا الزمان، فقد حالت بنا الحال إلى وضع جدير بالتأمل حقاً».

وتابع: «لم تعد قضية أفراد، بل صارت قضية أجيال. ولم تعد السرقة جهداً ذاتياً يمارسه الفرد، ويقتضيه على أي حال بذل جهد ما، بل صار أمر السرقة شأناً مؤسسياً تتولاه مكاتب وشركات وطوائف ممن يتخذون من إتقان السرقات وتمويهها والتفنن فيها حرفة وسبباً للعيش وتضخم الثروة. وإذا كان سراق أمس سعوا إلى تجميل حياتهم، بادعاء ما ليس لهم، فقد صارت السرقة العلمية الآن سبيلا لارتقاء المناصب وحيازة المكاسب. ولا ننسى ما أحدثته الشبكة العالمية من أثر بالغ في هدا الأمر، فهي وسيلة لتيسير السطو على منجزات العقول، ولتسهيل الكشف عنه في آن، لكن حجم ما يكشف عنه دون المستور والمخبأ بكثير».

وأضاف «أيا ما كانت الحال، فإن السرقات من أعراض الأمراض السارية في جسم الأمة، التي عصفت بقيم عظيمة كانت مناط التوقير والتقديس من جمهور الأمة».

النمط الاستهلاكي

من جانبها، قالت أستاذة ومديرة برنامج الدراسات الأدبية والثقافية المقارنة بجامعة الكويت، د.ماري عبدالمسيح، إن النمط الاستهلاكي طغى حتى على الأفكار، مشددة على ضرورة اتخاذ إجراءات رادعة للصوص العلم والساعين إلى الحصول على الشهادات الوهمية.
وقالت: «تفاقمت مشكلة الغش التعليمي والشهادات المزورة في السنوات الأخيرة، لتغدو مشكلة عالمية، تتداولها الصحف في شتى أنحاء العالم، ويتورط فيها أحيانا أصحاب المناصب الكبرى».

وعللت الأسباب الرئيسة لتلك الظاهرة، بالسعي وراء القيمة التجارية، التي تضفيها المؤهلات الأكاديمية على المتقدم للوظيفة، أو الترقية الوظيفية. كما كان لانتشار الإنترنت الأثر في الترويج لبيع الشهادات الوهمية والمزيفة، واتاحتها بيسر.

وقالت: «قد تقع مسؤولية مواجهة التزوير العلمي على عاتق مؤسسات تقييم الشهادات التابعة لوزارات التعليم، فعليها التأكد من مكانة المؤسسة التعليمية، التي صدرت عنها الشهادة، وصحة الأختام، والمدة التي أقامها الطالب في الخارج للدرس، وتأكيد من سفارة البلد الذي يقيم به الطالب، تفيد بصحة إقامته للدراسة، وانتسابه للمؤسسة التعليمية الصادرة عنها الشهادة العلمية. وقد أنشأت معظم الجامعات المعتمدة وحدات اعتماد للشهادات بمؤسساتها، ونأمل أن تتوافر لها، أو لجهة تابعة، الأهلية القانونية لتتبع القائمين على التزوير لمقاضاتهم».

ظاهرة مؤسفة

فيما وصف أكاديميون الشهادات الوهمية، بأنها ظاهرة مؤسفة ساهم في انتشارها التساهل مع المتورطين فيها، وضعف العقوبات، وافتقاد آلية الكشف عن الجامعات المشبوهة.

رأي القانون:
القوانين قاصرة.. والملكية الفكرية في خطر

أكد المحامي يعقوب السبيعي، أن الملكية الفكرية في خطر، لقصور التشريعات، مطالبا بقانون جديد يواكب تطورات العصر والثورة التقنية، حيث تزايدت ظاهرة السرقات العملية، فضلا عن التسابق للحصول على الشهادات الوهمية.

وأشار إلى أن المصنفات الأدبية والعلمية هي ثمار فكر الإنسان، ونتائج عمله الذهني، ومرآة شخصيته، مشددا على أن حماية حقوق المؤلفين والمبدعين أصبحت من المتطلبات الملحة التي تقتضيها النهضة الثقافية والعلمية.

وتابع: «نظرا لأهمية حماية حقوق المؤلف، انضمت الكويت إلى الاتفاقية العربية الخاصة بهذا الشأن، والاتفاقية الدولية بإنشاء المنظمة العالمية للملكية الفكرية». وقال: نص القانون رقم 64 لسنة 1999 في مادته الثانية والأربعين على أن «يعاقب بالحبس لمدة لا تزيد على سنة وغرامة لا تتجاوز 500 دينار، أو بإحدى هاتين العقوبتين، كل من اعتدى على حقوق المؤلف المنصوص عليها في القانون».

وأضاف: رغم هذه النصوص التشريعية فإن الكثير من الثغرات القانونية تجعل حملة الشهادات المزيفة يفلتون من العقاب، على حد قوله، وتطول البعض عقوبات مالية في أغلب الأحيان.

Print Friendly, PDF & Email

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *