الرئيسية » عربي ودولي » المؤتمرات العربية.. مؤجلة أم ملغاة؟

المؤتمرات العربية.. مؤجلة أم ملغاة؟

محمد الغربللي:
.. وهكذا، اعتذر المغرب عن استضافة مؤتمر القمة العربية، الذي كان مقررا عقده في نطاق الجامعة العربية الشهر الجاري.

الاعتذار ليس عائدا لأسباب داخلية تحول دون إقامته في المغرب، وتحديداً في مدينة مراكش، التي تنعم في فصل الربيع بأجواء وطقس ممتازين في هذا الفصل من السنة.. المدينة السياحية الجميلة كانت جاهزة لاستقبال الوفود، لكن بيان حكومة المغرب، الذي أعرب عن اعتذاره أتى مبرراً، حين ذكرت وزارة الخارجية المغربية فيه «غياب قرارات هامة ومبادرات ملموسة يمكن عرضها على قادة الدول العربية، ولو أن القمة انعقدت في هذه الظروف، فسوف تكون مجرد مناسبة للمصادقة على توصيات عادية، وإلقاء الخطب، لتعطي الانطباع الخاطئ بالوحدة والتضامن بين دول العالم العربي».

بعد اعتذار المغرب، وبموجب إجراءات الجامعة العربية بعقد اجتماعات القمة وفق ترتيب الأحرف الأبجدية للدول العربية، أتى الدور على موريتانيا، لاستضافة القمة العربية المقبلة، المقرر عقدها في مايو، وفق ما أوردته وكالات الأنباء.. وحتى الآن، لا يعرف ما إذا كان المؤتمر سيعقد، أم تؤجله موريتانيا، كما فعل من قبل جارها المغرب.

حالة تشرذم

حقيقة البيان المغربي أتى في مكانه، وبتعبير دبلوماسي جيد، فالأحوال العربية تنمُّ عن الفُرقة وانعدام البوصلة.. فُرقة ليست سياسية فقط، فقد مرَّت الدول العربية باتجاهات سياسية متعددة، وأنظمتها لا تسير باتجاه سياسي واحد، ومع ذلك عندما كانت تُدعى الحاجة لاتخاذ قرارات يتشكل الحد الأدنى من التعاضد ومواجهة المخاطر القومية ويتم الالتئام.
هكذا كانت الدول العربية عام 1964، مع عزم إسرائيل تحويل مياه نهر الأردن، حيث دعت مصر عبدالناصر إلى عقد مؤتمر قمة في الإسكندرية بفندق فلسطين، ومكان الانعقاد هذا ذو دلالة، وكانت وقتها العلاقات السياسية فيها قدر من الشد والجذب بين الأنظمة، ومع ذلك اتخذت القرارات الجماعية.
حالياً تجاوزت الدول العربية حالة الشد والتوتر بالعلاقات السياسية، ووصلت إلى حالة الحرب في ما بينها، وهناك شواهد يومية على ذلك في الساحة السورية أو العراقية أو اليمنية أو الليبية، ودول أخرى تحاول أن تبعد النيران عنها بشتى السبل.

هذه الحروب التي دامت سنوات في بعض الدول، ودول أخرى سوف تعدي سنتها الأولى كما في اليمن، أضعفت الإرادة العربية بشكل مخيف.. ويكفي الاستدلال على ذلك، بأن مفاوضات وقف إطلاق النار تمَّت بين الولايات المتحدة وروسيا على الساحة السورية، مفاوضات بين هذين الطرفين مهاتفة أو من خلال لقاء ثنائي بين وزيري خارجية الدولتين.. والأطراف المعنية، سواء على مستوى الشعب والحكومة السورية أو الأطراف العربية، كأنظمة تقف بانتظار ماذا ستؤول إليه المباحثات الدولية.. وهذا يعكس مدى ما وصلنا إليه من حالة الضعف والتشرذم.

الجزائر وفيتنام

نذكر أنه في عام 1961 دخلت الحكومة الجزائرية المؤقتة، برئاسة فرحات عباس، بمفاوضات عسيرة مع الحكومة الفرنسية في مدينة إيفيان الفرنسية، للوصول إلى اتفاق إنهاء الاستعمار الفرنسي في الجزائر.. وكان وراء الحكومة المؤقتة جبهة التحرير الوطني الجزائرية، واستمرت المفاوضات ما يقارب السنة، ما بين دولة عظمى استعمرت الجزائر مائة وثلاثين عاماً، وجعلت منها أراضي تابعة لفرنسا، وحكومة متنقلة ما بين هذه العاصمة وتلك، لكنها كانت تمتلك الإرادة والقوة للوصول إلى الاستقلال الناجز.

هكذا كان الوضع في 2 مارس 1962، حيث كانت المفاوضات أمام المستعمر الفرنسي بأيدٍ وطنية جزائرية، وليس توكيلاً لأطراف دولية.
نتذكر أيضا تلك المفاوضات التي دارت بين فيتنام الشمالية والولايات المتحدة الأميركية في حرب فيتنام، هذه الدولة «العالمثالثية» أمام الدولة العظمى في العالم، ومع ذلك، قادت تلك المفاوضات إلى اتفاق لوقف إطلاق النار ما بين الطرفين، ووجود قوات فيتنامية شمالية في فيتنام الجنوبية في يناير عام 1973، حتى استطاعت فيتنام تحرير أراضيها عام 1975 وتوحيد الدولتين.

الوضع العربي

أما أحوال دولنا في الوقت الحالي، فقد تدنت إلى الحضيض، لم يعد أماني دولنا عقد مؤتمرات القمة، ولم تعد خطب المجاملة تتسع للحالة المزرية التي تسود أغلب الدول العربية.

أنظمة العالم التي كانت تواكبنا في المسار السياسي في أفريقيا وآسيا تطورت بوجود الديمقراطية السياسية بمفهومها الواسع، إلا دولنا، فهي لاتزال في بنائها الداخلي تسير في المكان نفسه، حيث الفردية وإملاءات الحكم هي المسار والدستور، والديمومة هي الأساس، ومادامت البيوت من الداخل لا يمسها التطور والبناء الصحيح، يبقى التجمع واللقاء مجرد خطابات وصور جماعية انتهى مفعولها ومدلولها.

Print Friendly, PDF & Email

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *