الرئيسية » قضايا وآراء » ناصر العطار : يا عشق بالنزهة يسري في دم خيطان

ناصر العطار : يا عشق بالنزهة يسري في دم خيطان

ناصر العطار
ناصر العطار

حين أستمع أو أقرأ عن واجب الإخلاص والتضحية لأجل الكويت أتساءل على الفور: هل يستحق التكريم والشكر الجزيل من أخلص في العمل وضحَّى لأجل الكويت، أم يعد الإخلاص في العمل الوظيفي ليس سوى واجب وطني، ولا شكر على أداء الواجب؟

ولو فرضت أن مَن ضحوا وأخلصوا في أعمالهم الوظيفية يستحقون التقدير، فهل تقديم المكافآت المادية لهم شكل التقدير الوحيد، أم أن هناك أشكالا وأساليب متعددة لتقدير المخلصين والمجتهدين؟

إن التقدير المادي ليس سوى حق يستحقه المجتهد والمخلص في وظيفته، فالمكافأة المادية ملك الجميع، لا فضل فيها من أحد على أحد، إلا بقدر إنجازه، لكن أعتقد أن التمايز المادي الكبير بين بعض قطاعات العمل الواحد خلق حزازيات لا لزوم لها بين بعض الموظفين، من جراء الفوارق المالية الشاسعة، فكل من يؤدي عملا مهما كان بسيطا سيدَّعي أن عمله مهم.

يبقى هناك تقدير من نوع آخر، أهم بكثير في ظني من التقدير المادي، وهو إحساس كل الناس – وليس الموظفون والموظفات فقط – بل يقينها، أنها أكبر من مجرد طرف يتسلم راتبه كل شهر أو تُصرف له مكافأة سنوية أو شهرية، وأن لأدوارها في كل المجالات تأثيرا على أحوال البلد، وأن جمعيات النفع العام ووسائل التواصل والصحافة لا تكبلها قيود لم ينص عليها الدستور، وأن تبوؤ المناصب القيادية في الجهات الحكومية متاح باستمرار للأكفاء وأصحاب الطاقات الشابة، وأن مجلس الأمة قبل كل ذلك وبعده يمثل الناس خير تمثيل، بدءا من رئيسه، مرورا إلى سائر أعضائه.

إن الشعب الذي صمد بوجه الاحتلال العراقي، وضحَّى كثيرون من أفراده بأرواحهم، حتى آخر لحظة من لحظات وقوعه عام 1990، لا أتصوَّر على الإطلاق أنه يرفض ترشيد المال العام وحمايته من الهدر، لكن البعض يتساءل عن الرؤية الاقتصادية للحكومة، وعن كيفية إدارتها للفوائض المالية، وعن بعض القوانين التي تصدر بالتوافق مع مجلس الأمة، والتي لا علاقة لها بمصلحة كل الناس، وعن أسباب تردد الحكومة في محاسبة من تلاعبوا بأموال الشعب وسرقوا الكثير منها.

إن التقدير المعنوي ومعرفة الناس لحقوقها وواجباتها يسبق التقدير المادي وصرف المال لها أو تقنينه عليها.

إن مفهوم الوطن أعظم من أن يكون مجرد منجم للذهب الأسود، ومفهوم المواطنة أكبر بكثير من نيل المكافآت وصرفها. أغنية «هنا بيان» التي كتب كلماتها الفنان بشار الشطي، وغناها برفقة الفنانة بلقيس والفنان خالد الرندي، تعبّر بسطور قليلة عن تلاحم الشعب في كل المناطق ببعضه، فحين استمعت لأحد مقاطع الأغنية، الذي يقول: «يا عشق في النزهة يسري في دم خيطان والنبض في اليرموك على مدى الأزمان»، شعرت بالأمان، وروعة التلاحم، ومدى أهميته في حياة الناس حين يعلو الجميع فوق سياسات التفكيك، ويتجاوزون مستنقعات التفرقة.

في أغنية «هنا بيان» تجد ذكرا للمغتربين عن الوطن والدارسين في الخارج الذين لم تغترب قلوبهم عن بعض، وعن نظرائهم في الوطن. كلمات تشعر المستمع لها والمتمعن في حبكة تصويرها الجميل بصفاء الناس وبساطتها، وبأن المال رغم كل هذا الحديث المتعدد والصاخب عنه الآن، ليس هو دافع الناس في حبهم للكويت.

إن تعدد الآراء لا يعني التنازل عن التمسك في حب الكويت، فها هو مبارك النوت أحد شهداء الكويت، برهن على ذلك بجلاء، فقد كان أحد المعارضين للنهج الحكومي الذي عطَّل الدستور عام 1986، لكن أثناء الغزو أثبت، برفضه الخضوع لمطالب الغزاة، أن معارضته لتعطيل الدستور قبل حدوث الاحتلال كانت لأجل مصلحة الكويت، فهل تمتلك السلطتان التنفيذية والتشريعية الآن رؤية حول مصلحة الكويت؟

Print Friendly, PDF & Email

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *