الرئيسية » آخر الأخبار » ماذا يفيد التقشف ما لم يتم القضاء على الفساد ومعالجة الخلل؟

ماذا يفيد التقشف ما لم يتم القضاء على الفساد ومعالجة الخلل؟

الكويت مقبلة على العجز المالي لا محالة.. إذا لم تسارع لإيجاد مصادر دخل جديدة
الكويت أكثر دولة وضعت خططا واستعانت بمؤسسات اقتصادية لتصحيح مسار الاقتصاد.. والمحصلة لا شيء

كتب محرر الشؤون الاقتصادية:
يتفق الكثير من المحللين على أن تأثير هبوط أسعار النفط على الاقتصاد والتنمية أقل بكثير من تأثير استشراء الفساد على الاقتصاد، فسواء كان سعر النفط 100 أو 50 دولاراً، فإن ذلك لا يشكل فرقاً حقيقياً، ما لم يتم القضاء على الفساد والحفاظ على المال العام وضبط الإنفاق، بشتى الصور، فالأموال الكثيرة تتساوى مع القليلة، في حال كانت الذمم «متسعة».

وتقارير ديوان المحاسبة على مدى السنوات الماضية، التي تتحدث عن إهدار وصرف مليارات الدنانير سنوياً من دون وجه حق توضح خطر الفساد، وأنه لا فائدة من الأموال الكثير، في ظل وجود الفساد.

فعلى مدى الـ 15 عاماً الماضية كانت الكويت تحقق كل عام مليارات الدنانير من الفوائض المالية، ومع أول عجز مالي بعد كل هذه السنوات، وجدنا أنفسنا أمام «ورطة» كبيرة، وبدأت الصرخات الحكومية تتعالى، مطالبة بالتقشف، وكأنه الحل السحري لمشكلات تعانيها الكويت منذ زمن.
والمؤكد أن الأموال التي حققتها الكويت طيلة الأعوام الماضية كان بإمكانها أن تحقق مشاريع تنموية كثيرة، كنا بأمسّ الحاجة لها، بغض النظر عن سعر برميل النفط، لكن للأسف، أهدرت الكثير من هذه الأموال، وذهب إلى جيوب من لا يستحقونه.

والمؤكد أيضاً أن كل المليارات التي أهدرت، والتي تحدثت عنها الكثير من تقارير ديوان المحاسبة، ما هي إلا غيض من فيض، حيث يصعب حصر كل الأموال من قبل الأجهزة الرقابية التي أهدرت في المناقصات والصفقات والمشاريع الكثيرة، إذ كانت هذه المشاريع والمناقصات «منجما» لمن يستهدفون الاستيلاء على المال العام.

أولوية قصوى

وبما أننا اليوم نمرُّ بمرحلة دقيقة من الناحية الاقتصادية، بعد هبوط النفط إلى هذه المستويات المتدنية، ما يعني هبوط دخل البلاد بشكل كبير عما كان عليه خلال السنوات القليلة الماضية، مع بقاء الالتزامات على حالها، فإن الأولوية القصوى يجب أن توجه لمكافحة الفساد، ومحاربة هدر الأموال العامة، ومعالجة سوء الإدارة الذي تتبخر معه مليارات الدنانير من دون وجه حق، وهكذا يصبح لأي خطوات يتم اتخاذها في مجال ترشيد الإنفاق والتقشف جدوى اقتصادية حقيقية.
وفي حال وجود إرادة حقيقية لضرب الفساد، بكافة أشكاله وأنواعه ومصادره، فسوف يكون بإمكاننا تحقيق إنجازات تنموية تفوق أي إنجازات تحققت في زمن الوفرة المالية، فمحاربة الفساد والقضاء عليه والمحافظة على المال العام سيجدي نفعاً أكثر بكثير من خطط التقشف التي تطالب الحكومة ليل نهار بتطبيقها على حساب المواطن البسيط، في حين تبقى رؤس الفساد قائمة تنعم بما كانت تنعم به حينما كانت أسعار النفط عند الـ 100 دولار للبرميل.

فالحقيقة أننا لسنا بحاجة إلى خطط أو دراسات للخروج من الأزمة، وكل ما نحتاجه فقط، هو القضاء على الفساد، فالكويت أكثر دولة وضعت خطط تنمية، وأكثر دولة استعانت بمؤسسات اقتصادية محلية وخارجية، لوضع دراسات وتقارير لتصحيح مسار الاقتصاد الكويتي، وتنويع مصادر الدخل، وتحسين أداء مؤسسات الدولة، والكثير من هذه الدراسات كانت جيدة، ووضعت بالفعل يدها على «العلة»، ووضعت تصورات وحلول لها، لكن بسبب الفساد والمنتفعين وأصحاب المصالح لم تنفذ أي من هذه التوصيات على أرض الواقع، وكثير من هذه الدراسات لم ترَ النور، وظلت حبيسة الأدراج، لأن هناك من يستفيد من بقاء الوضع كما هو عليه.

ومرَّت السنين، وبقيت الخطط في الأدراج، ولم يتم إيجاد مصادر اقتصادية بديلة، ولا قنوات أو أدوات مالية لتمويل مصروفات الدولة المتنامية سنوياً بمعدلات قياسية تراوحت بين 7 و10 في المائة، وهو ما أدى إلى تضخم الميزانية من 5 مليارات دينار عام 2005، إلى 11 ملياراً عام 2008، ثم إلى نحو 20 ملياراً في الميزانية الحالية.

فشل في كل المجالات

وبسبب حالة الفساد التي تعانيها الكويت تراجعت في كل المؤشرات والمجالات الاقتصادية، سواء في التنمية البشرية، أو العمرانية، أو تحقيق الإصلاح المالي، وتذيلت دول الخليج في الكثير من المجالات، حتى الثروة الوحيدة التي تملكها، وهي النفط فشلت في إدارتها بالشكل الصحيح.

وأكد تقرير منظمة الشفافية العالمية للعام الماضي حالة الفساد التي تعيشها الكويت، إذ بيَّن أن الكويت الأكثر فساداً بين دول الخليج. ووفق التقرير، لم تحقق الكويت تقدماً يذكر في ترتيبها المتأخر في مؤشر مدركات الفساد الذي تعده منظمة الشفافية الدولية، وحلت في المرتبة الأخيرة بين دول مجلس التعاون، والسابعة عربياً، والثامنة على مستوى منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا.
واعتبرت الكويت، وفق المؤشر، الذي يصنف حالة الفساد في 175 دولة، من بين الدول الأكثر فساداً، مقارنة مع الدول الخليجية الأخرى.

وعند البحث عن الأسباب التي أدت إلى احتلال الكويت هذه المرتبة المتأخرة في مؤشر مدركات الفساد، سنجد أن السبب الأول هو أن الحكومات المتعاقبة غير راغبة، أو أنها غير قادرة على وقف المحسوبية، ومحاربة الفساد، والأمثلة على ذلك كثيرة ومتعددة، وعلى رأسها الفساد الذي شهدته الخطة التنموية الخمسية التي رصد لها 137 مليار دولار، وهو بلا شك مبلغ ضخم، وقد يكون حجم الفساد الذي شهدته هذه الخطة، والنهب والتنفيع من أهم العوامل التي وضعت الكويت ضمن الدول الأكثر فساداً، فقد أكدت غالبية التقارير الاقتصادية المحلية والخارجية الفشل الذريع لهذه الخطة، وحجم الأموال الكبيرة التي أهدرت فيها.
أما السبب الثاني، فهو عدم محاسبة كل من تسبب في هدر مالي، أو في تعطيل وعرقلة وإهدار مال عام في مشروع، فـ«من أمن العقوبة أساء الأدب».

«الشال»: تقديم نماذج قاطعة على مواجهة الفساد

أكد التقرير الاسبوعي لشركة الشال للاستشارات الاقتصادية، أن الوضع الحالي للدولة خطير، ويتطلب تقديم برنامج متكامل يغطي كل مناحي الإصلاح، كزيادة الإيرادات، ووقف الهدر، وتقديم نماذج قاطعة على مواجهة فساد مستشرٍ، وذلك كله خارج قدرة الإدارة العامة الحالية.
وأشار إلى أنه لا يمكن للإصلاح أن يتحقق سوى بجهد صادق ومحترف، مبيناً أن الفشل في الإصلاح يعني أن تدفع الغالبية العظمى من الناس ثمناً باهظاً، مشدداً على أن كل المطلوب من الإدارة الحالية هو وقف التصريحات، وأن يبادر المسؤولون بعمل إصلاحي حقيقي، تأخيره يفقد الجميع ما تبقى من أمل.
وأكد التقرير أن الإصلاح حزمة متكاملة، والترشيد أحد بنودها الرئيسة، وطرح تلك الحزمة المفقودة التي تتحدث وبالأرقام عن وقف الهدر والتدرج في تنويع وزيادة الإيرادات، بالإضافة إلى الترشيد، يفترض أن تصدر في جهد محترف مكتوب ومتكامل محدد بمدى زمني ومدعوم بأثره الكمي.
وأشار إلى أن كل ما يطرح الآن، هو تصريحات لمسؤولين نتيجتها النهائية تقويض احتمالات تبني ونجاح أي حل، فالمسؤولون، بلا استثناء، يعطون تصريحات متناقضة لكل منهم باختلاف الوقت، وفي ما بينهم في الوقت نفسه، ما يضعف المصداقية والموقع التفاوضي لهم جميعاً.
وبيَّن أنه مرت سنة ونصف السنة منذ بدء أزمة سوق النفط بحجمها الحالي، ولم تقم الدولة بكل مؤسساتها بأي جهد إصلاحي، والواقع، هو أن المؤشرات توحي بالعكس، وقال إنه عندما يعد مشروع الموازنة المقبلة مؤشر إصلاح هيكلي جذري، يتلاشى الأمل بالإصلاح، لأنها لا تعدو كونها ردود فعل خاطئة، بينما الفعل غائب وسيغيب.

Print Friendly, PDF & Email

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *