الرئيسية » آخر الأخبار » هل باع الفلسطينيون أرضهم للصهاينة؟

هل باع الفلسطينيون أرضهم للصهاينة؟

نتيجة النكبة كانت قاسية على الفلسطينيين
نتيجة النكبة كانت قاسية على الفلسطينيين

كتب عبدالله التميمي:
يُقال «إن توضيح الواضحات من الفاضحات»، لكن أحياناً، تنقطع السبل، فنضطر إلى توضيح الواضحات، وفضح الشائعات، التي تريد النيل من أشهر البطولات التي يفتخر بها العرب في القرن الماضي، رغم أن العرب ليس لديهم كثير من المفاخر في القرن الماضي، لكن قصة الفلسطينيين والقدس، ومَن استشهد على أسوار وحدود فلسطين، هي بحق أعظم مفاخرهم.

وتصوَّر عزيزي القارئ بأن يأتي بعض بني جلدتنا، لينال من تلك المفخرة، ويحاول طمسها، ويقول إننا نحن مَن سلمنا فلسطين للصهاينة.

ربما تقول إنه قصد الأنظمة والحكومات، وإذا قصد هذا، فهو مُحق، لكنه للأسف قصد الشعوب، وقصد الشعب الفلسطيني بالذات.

وكأن مَن يردد هذه التهمة يريد غسل عار تخاذله عن نصرة الشعب الفلسطيني بالنيل منهم، فلا هو شارك في نصرتهم، ولا هو كف لسانه عنهم.

فتراه يقول في المجالس، بكل ثقة، إن الفلسطينيين هم الذين باعوا أرضهم للصهاينة، وأخذوا ثمن بيعهم، ويعايرهم بذلك ليل نهار، بل ربما يظلمهم كشعب، بسبب هذه التهمة، ويحرض عليهم الغير، رغم أنهم بعيدون كل البعد عن هذه الصفة.

تهمة عربية

الغريب أن المؤرخين الصهاينة لم يعتمدوا هذه الحجة في الحوارات المختصة بالصراع العربي – الإسرائيلي، ولم يقل الصهاينة إن وجودهم في فلسطين له كل الحجة، لأن الفلسطينيين باعوا لنا الأرض، وهذه صكوك الملكية تثبت ذلك، هذا لم يحصل، ولم يقله الصهاينة في يوم من الأيام، وهذه التهمة أكثر انتشاراً بين العرب، يرددها بعضهم بكل صفاقة، من دون التأكد من مصدرها أو صحتها.

ونشير هنا إلى شخصيتين من غير العرب، بل من اليهود، الأول هو د.إلان بابي من مواليد حيفا، والحاصل على الدكتوراه من جامعة إكسفورد، وكان أستاذاً في جامعة حيفا، وممن أدان عمليات التطهير العرقي التي تعرَّض لها الفلسطينيون قبل نكبة 1948، ووصف ما حصل بأنه إحدى أبشع جرائم الاحتلال في التاريخ، وأن أراضيهم سُلبت بالقوة، وعن طريق التطهير العرقي، ووصل لتلك النتيجة بعد دراسات جادَّة لتاريخ فلسطين.

والشخصية الأخرى أيضاً يهودية، وهو د.مايكل فيشباخ، الذي ألَّف كتاباً عن أملاك الفلسطينيين في فلسطين قبل 1948، وطبعته جامعة كولومبيا في الولايات المتحدة، والذي كلفته الأمم المتحدة توثيق أملاك الفلسطينيين ودراستها، وهو صاحب بعض المعلومات التي سنضعها في هذه المقالة، وقد استقاها من وثائق رسمية لـ 6 دول، بالإضافة إلى وثائق الأمم المتحدة.

الوثائق الرسمية

ومن خلال لجنة التوثيق التابعة للأمم المتحدة، رُصدت الأرقام الحقيقية لحجم الأراضي التي امتلكها اليهود قبل نكبة 1948، والتي ثبت يقيناً أنها لم تكن لتشكل شيئاً من أرض فلسطين، حيث تشير الوثائق الرسمية للأمم المتحدة إلى أن اليهود لم يمتلكوا قبل حرب 1948 سوى 7 إلى 8 في المائة من الأراضي الفلسطينية فقط، وكانت هذه النسبة موزعة كالتالي: 650 ألف دونم كأملاك للأقلية اليهودية التي عاشت في فلسطين منذ سنين قبل وصول الصهاينة، و665 ألف دونم حصل عليها الصهاينة هدية من البريطانيين، حيث كانت بلادهم وقتها تحكم فلسطين، كحكومة انتداب، و606 آلاف دونم اشتراها الصهاينة من إقطاعيين عرب غير فلسطينيين من لبنان وسوريا موثقة أسماؤهم ومعروفة في الوثائق الرسمية الموجودة لدى الأمم المتحدة، هي أراضٍ زراعية مهمة وذات موقع استراتيجي، مثل سهل مرج ابن عامر الشهير، وسهل الحولة، وهما منطقتان على الساحل الفلسطيني، وسهَّل ذلك بطبيعة الحال الفساد الإداري الذي كان متفشياً في الدولة العثمانية.

ويتبقى جزء صغير جداً هو 300 ألف دونم حصل عليه الصهاينة من بعض الفلسطينيين الذين باعوا أرضهم، فما الذي تشكله هذه الـ300 ألف دونم؟ أظن أنها أقل من 2 في المائة من أرض فلسطين، واعتُبِروا وقتها خونة، واجههم أهلهم وبقية الفلسطينيين بالمقاطعة العنيفة، ولا تشكل هذه النسبة شيئاً، فلا تكاد تخلو أرض من بعض الخونة، الذين يشكلون قلة قليلة منبوذة مرفوضة من أغلبية المجتمع.

مقاومة

وبعد أن استعرضنا الأرقام التي تفند هذه الكذبة التي ألصقها البعض بالشعب الفلسطيني، دعنا نرى كيف استقبل الفلسطينيون التعدي على أرضهم، ومحاولة سلب ممتلكاتهم؟

في البداية، كان للفلسطينيين رأي واضح في مسألة بيع الأراضي لليهود، فقد حرموا ذلك، وقاموا حتى باغتيال بعض مَن باع أرضه، كأعنف رد فعل حصل في تلك الفترة، بل ومنع دفنه في مقابرهم، بل وصل الأمر إلى حد نبش قبور بعض سماسرة البيع، كما أشارت الصحف العربية إلى ذلك في تلك الفترة.

وقد قاوم الفلسطينيون محاولات سلب أراضيهم بكل السبل المتاحة لهم كشعب مستضعف، رغم أن الصهاينة كانوا مدعومين بقوة السلاح البريطاني، وكان الفلسطينيون لا ظهر لهم يحميهم، سوى صيحات التأييد العربية التي لم تكن تؤدي المطلوب.

وقاوم الفلسطينيون تلك المحاولات الآثمة بعدد من الثورات في أعوام 1920 و1929 و1936 ضد حكومة الانتداب البريطاني، لمنعها من بيع الأراضي للصهاينة، وفتح المجال للهجرة الصهيونية، وكلها واجهها البريطانيون بشراسة مع العصابات الصهيونية المدربة والمجهزة، حتى جاء وقت الثورة الفلسطينية الكبرى بين عامي 1936 و1939، والتي كانت تواجه البريطانيين بالإضراب عن العمل والاحتجاجات، لكن البريطانيين واجهوا تلك الثورة بعنف مفرط، فقام الفلسطينيون بمواجهتهم بالسلاح، وأحرجوا البريطانيين كثيراً، وسببوا لهم خسائر فادحة في معارك عدة، ما جعل الحكومة البريطانية تعلن الأحكام العرفية، وتزيد من عنفها في معاملة الفلسطينيين، بل لا نبالغ إذا قلنا إن تلك الثورة الفلسطينية العربية كانت أفضل بكثير من نكبة 1948، حتى اضطر البريطانيون وقتها للاستعانة بأفضل قوادهم، لمواجهة المقاومة العربية في فلسطين، واستدعوا المحنكين أمثال القائد العسكري الشهير برنارد مونتغمري وغيره، لمواجهة الثورة الفلسطينية العربية المكونة من أفراد وليس حكومات، والحق يُقال إن الثورة الفلسطينية لم تكن فلسطينية خالصة، بل كان فيها الكثير من الشاميين ومن أراضٍ عربية أخرى شاركت في تلك الثورة كأفراد، ولم تكن مدعومة من الحكومات العربية.

نكبة 1948 هي السبب

بعد قراءة العديد من الدراسات والمقالات التي تناولت كيفية استيلاء الصهاينة على الأراضي الفلسطينية، تبيَّن أن نكبة 1948 هي السبب الرئيس لفقدان فلسطين، فالحكام العرب في تلك الفترة هم الذين يتحملون الإثم التاريخي لفقد فلسطين، ففي شبه إجماع لمؤرخي تلك الفترة، أن الحكومات العربية دخلت حرب 1948 لتنهزم، قد يبدو هذا غير منطقي، كيف تدخل دولة الحرب لتنهزم، لكنه ما حصل بالفعل.

تهجير الفلسطينيين من أراضيهم بقوة السلاح
تهجير الفلسطينيين من أراضيهم بقوة السلاح

فقد دخلت تلك القوات العربية بعدد قليل جداً، غالبيتهم من المتطوعين، غير مجهز، في مقابل ضعفين من الصهاينة الجاهزين للمعركة، والحكومات العربية كانت متخوفة من بعضها بعضاً أكثر من خوفها من الصهاينة، ودخلت الحرب لذر الرماد في عيون شعوبها، التي كانت تحترق لفقدان القدس، وكانت تحرض حكوماتها لفعل شيء ما، وليتها لم تفعل!

فنتيجة النكبة كانت قاسية على الفلسطينيين، فقد هجَّرتهم من أراضيهم بقوة السلاح، واستولى الصهاينة على كل الأراضي المهمة والاستراتيجية، بسبب اتفاقيات الهدنة مع الحكومات العربية، التي أعطت الشرعية التي يريدها الصهاينة للأرض التي أعلنوا عليها دولتهم في 1948.

صك الملكية ومفاتيح البيوت

رغم ما حدث في النكبة، فقد احتفظ الفلسطينيون بصك ملكية أراضيهم، ومفاتيح بيوتهم، لتشهد بأنهم لم يبيعوا أرضهم، وبأنهم قاوموا لآخر رمق، وبأنهم أُخرجوا من أرضهم وديارهم بقوة السلاح، وما مجازر دير ياسين والطنطورة ومذبحة بلدة الشيخ إلا أمثلة تشهد على أنهم يسلموا، بل قاوموا وسالت دماؤهم ودماء أطفالهم على عتبات بيوتهم، ولم يخرجوا إلا بسبب تخاذل الحكومات العربية، التي باعت فلسطين للصهاينة، ولم تبع فلسطين فقط، بل باعت حتى أراضيها للمستعمر.

 

 

 

المصادر:

● إسرائيل والعرب: من صراع القضايا إلى سلام المصالح، د.شفيق ناظم الغبرا، المؤسسة العربية للدراسات والنشر، 1997.
● سجلات السلب: أملاك اللاجئين الفلسطينيين والصراع العربي الإسرائيلي، د.مايكل فيشباخ، مؤسسة الدراسات الفلسطينية، 2013.
● وثائق نزع الملكية: أملاك اللاجئين الفلسطينيين والصراع العربي الإسرائيلي، سليم تماري، مجلة الدراسات الفلسطينية، العدد 64، 2005.
● مقالة «شبهة أن الفلسطينيين باعوا أرضهم لليهود.. صحيحة أم خيال؟»، د.خالد الخالدي.
● موقع الجزيرة نت.
● برنامج «ألش خانة» على «يوتيوب».
● موقع ويكيبيديا الموسوعة الحرة.

Print Friendly, PDF & Email

تعليق واحد

  1. السلام عليكم
    جزاك الله خير جزاء المحسنين
    هذه التهمة الشنيعة التي الصقت بأهلنا في فلسطين
    الى تردد كما ذكرت في المجالس و بنبرة صوت توحي بأنها من المسلمات
    و هذا يدل على جهل و غباء هذه الامة التي باعت فلسطين بثمن بخس
    و الى اليوم تسعى لابقائها بيد الصهاينة
    و لكن
    أي شرف و كرامة لامة ترى نسائها و بناتها تهان و تقتل امام اعينها على شاشات التلفزة
    و لا يرف لها جفن
    نساءنا في فلسطين تقتل امام شاشات التلفزة و الرعاع غارقون في الرذائل
    فسلاما الى اهل فلسطين و ارض فلسطين و لعن الله كل من الصق بهم هذه التهمة و من يكرهها الى اليوم

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *