الرئيسية » آخر الأخبار » عبد الله النيباري : الأزمة المالية وتخبُّط مؤسساتنا

عبد الله النيباري : الأزمة المالية وتخبُّط مؤسساتنا

عبد الله النيباري
عبد الله النيباري

لا تزال الكويت، بمؤسساتها العتيدة، من حكومة ومجلس، في مرحلة تخبُّط وضياع لم نجنِ منها إلا المزيد من التصريحات غير المفيدة، والتي لا معنى لها، من الحكومة وأعضاء البرلمان، مرَّة «الإصلاحات لن تمس جيب المواطن»، ومرَّة «لا نكذب.. الكل سيُمس»، ومرَّة «الموس وصل الراس»، لأن الإفلاس بلا إصلاح أو ترشيد هو المصير المحتوم، وآخر لقاء لمجلس غرفة التجارة مع سمو الأمير، والتصريح بأن سموه متحمس جداً للإصلاح، ما يستدعي السؤال: وهل كان سموه في أي يوم من الأيام إلا متحمساً للإصلاح؟!

قرار

لكن الإصلاح لم يأتِ، لأنه لا يأتي بالرغبات والتمنيات والحماس، حتى لو صدرت من أعلى سلطة، لأنها بحاجة أولاً إلى قرار مبني على تصور علمي واقعي سليم، نتيجة أعمال فكر مستنير ومدرك وأعلى درجات الإخلاص والحرص ثم الالتزام بالتنفيذ الدقيق والأمين لما اتخذ من قرارات، وهذا كله، أو الجزء الأكبر منه غير متوافر في مؤسسات الكويت بكل مستوياتها.

يبدو أن مَن هم في السلطة ومؤسساتها غاب عن ذاكرتهم أننا أكثر دولة تصدر الخطط الاقتصادية التنموية، وأحياناً الاستراتيجية، منذ أمد بعيد، ونحن مغرمون بإصدار الخطط طويلة المدى، لإصلاح الاختلالات في الاقتصاد الكويتي، وتصحيح مساره، وتنمية مصادر إنتاجية بديلة أو رافدة للمصدر الاقتصادي الوحيد والفريد، وإيجاد مصادر رافدة لتمويل المصروفات العامة في ميزانيات الدولة.

الخطط في الأدراج

ومضت الأيام، وبقيت الخطط في الأدراج، لم يتم إيجاد مصادر اقتصادية بديلة، ولا قنوات أو أدوات مالية لتمويل مصروفات الدولة المتنامية بمعدلات قياسية غير مسبوقة في أي دولة، فمعدل الزيادة السنوية في الإنفاق العام هو 7 في المائة، وأحياناً يفوق العشرة في المائة، وهو ما أدى إلى تضخم الميزانية من 5 مليارات عام 2005، إلى 11 ملياراً عام 2008، ثم إلى نحو 20 ملياراً في الميزانية الحالية. ورداً على ادعاءات أعضاء المجلس الحالي، بأن زيادة الإنفاق هي ما ورثته المجالس السابقة، فهو كلام تعوزه الأدلة، فعدد لا بأس به من أعضاء مجلس الصوت الواحد كانوا أعضاء في المجلس منذ عام 2006، عندما كانت الميزانية 5 مليارات دينار، واليوم ارتفعت أربعة أضعاف إلى 20 ملياراً.

أما عن خطط التنمية الاستراتيجية، طويلة المدى، فلا بأس من التذكير بأننا منذ مجلس 2006 قُدمت خطة اقتصادية للفترة من 2006 إلى 2010، تلتها خطة اقتصادية للفترة من 2014-2009، وآخرها الخطة الاقتصادية للفترة الحالية من 2020-2015، وقد أقرَّها المجلس، وجاء في هذه الخطة، والخطط الأخرى، منذ عام 2006، أنها وضعت لأفق استراتيجي طويل الأمد حتى عام 2035، لتنتقل الكويت إلى مصاف الدول الراقية، ويتم تصحيح الاختلالات، بما في ذلك تعديل التركيبة السكانية وقوة العمل، لإنقاذ الكويتيين من وضعهم كأقلية في بلدهم لا يزيد تعدادهم على ثلث عدد السكان، ومشاركتهم في قوة العمل أقل الأقلية لا تزيد على 18 في المائة.
وللتذكير أيضاً، فإن الخطط المشار إليها عاليه سبقتها خطط أخرى، فنحن هواة لإنتاج خطط لا إنتاج قدرات اقتصادية.

كانت لدينا خطة في التسعينات قدمها وزير المالية آنذاك د.يوسف الإبراهيم عام 1999، وسبقتها خطة اقتصادية عام 1986.

وكل هذه الخطط صدرت بقوانين ملزمة، بمعنى عدم تنفيذها والقصور في ذلك، يستوجب مساءلة سياسية. والحقيقة، أن صدور خطة بقانون فكرة غير عملية، لأن المحاسبة والمساءلة أمامهما معوقات كثيرة، والذرائع والأعذار أكثر، وقبل كل هذه الخطط كان هناك تقرير البنك الدولي عام 1961 صاغته بعثة اقتصادية، بدعوة من وزير المالية آنذاك سمو الأمير الراحل الشيخ جابر الأحمد، بناءً على نصيحة مستشاره القدير د.فخري شهاب، الذي كلفني مرافقة البعثة، وكنت في بداية عملي الوظيفي، وأصدرت البعثة تقريراً لسياسة اقتصادية لترشيد مسار الاقتصاد الكويتي، وفي هذا الصدد، كتب د.فخري شهاب مقالاً اقتصادياً نُشر في مجلة شؤون خارجية Foreign Affairs ، حدَّد فيه مخاوف انجراف الاقتصاد الكويتي إلى اقتصاد ريعي، وهو ما نحن فيه اليوم، وفق تشخيص العديد من الاقتصاديين، ومنهم د.محمد صباح السالم، والأخ جاسم السعدون، كلها تحذر من وقوعنا في مصيدة لعنة النفطThe Curse Of Natural Resource، أو المرض الهولندي، واليوم التسمية الأدق له، هي المرض الخليجي، لأن المرض الهولندي نقطة في بحر المرض الآخر.

الوضع الآن

المهم الآن، ما وضعنا؟ وهل تستطيع الحكومة ومجلسها الإتيان ببرنامج إصلاحي أو ترشيدي؟

حتى الآن، ورغم مضي حوالي سنتين على أزمة أسعار النفط، لا توجد خطة ولا برنامج.

اجتماعات مكتب مجلس الأمة مع أعضاء مجلس التخطيط، ووزراء الحكومة، ثم اجتماعات في اللجنة الاقتصادي، بحضور الوزراء وأعضاء من المجلس، ومناقشة عامة في جلسة علنية في المجلس، وآخرها مقترحات غرفة التجارة للإصلاح المالي الاقتصادي، بتعزيز دور القطاع الخاص في قيادة التنمية، ما يثير التساؤل؛ كيف يكون ذلك إذا كان الإنفاق العام هو العمود الفقري والأساس لاقتصاد الكويت؟

وحتى الآن، الحديث عن برامج الإصلاح لا يزال ألغازاً غامضة، وزير المالية يقول إن لديهم تقارير وخططاً وضعها مستشارون دوليون، لكنه لا يريد إغراق المجلس، وطبعاً، أهل الكويت أصحاب الشأن بالتفاصيل (خايف علينا.. يا معود أغرقنا بالمعلومات جزاك الله خيرا).

خطة غامضة

وحتى الآن، كما يبدو، فإن خطة الحكومة الغامضة تتمحور حول البنزين والكهرباء، أما الامتيازات والمكافآت والبدلات والمساس بالثروات والدخول المرتفعة، فكلها محصَّنة لا تمس، وتقرير المستشار الاقتصادي، الذي اقتصر تكليفه بالنظر في الدعومات فقط، ولم يتطرق إلى إصلاح مالي أو اقتصاد أو الفساد أو الهدر.

بعد كل ذلك، الهدر والإسراف مستمران، والفساد يزداد استشراء، وهذه الأزمة لم تمنع الحكومة من التعاقد لشراء طائرات بعشرة مليارات دولار.

فجريدة القبس تتحدث عن هدر في الميزانية مقداره مليار و970 مليون دينار، يعني نحو ملياري دينار (7 مليارات دولار).

وتشير «القبس» إلى الأعمال الممتازة، التي تجاوزت 300 مليون دينار، لأداء متدنٍ غير ممتاز، وأن مصروفاتنا 3 أضعاف إيراداتنا، وأن نسبة إنجاز المشاريع 50 في المائة فقط في الربع الثالث من السنة المالية، أي مضى 75 في المائة من المدة.

وزير المالية يتحدث عن «الموس وصل قرعة الراس»، وليس أمامنا إلا الإفلاس.. الحقيقة أنه رغم انخفاض أسعار النفط بنحو 80 في المائة حالياً عما كانت عليه قبل يونيو 2014، فإنه المسألة تهون لو بقيت عند هذه الحدود.

المشكلة التي نواجهها ليست الآن على المدى القصير، أي خلال هذه السنة أو السنتين المقبلتين، المشكلة «جدام» على المدى البعيد، التي لن تنفع فيها المعالجات الترقيعية، وهي أزمة أكبر بكثير من أزمة الانخفاض الحالي للأسعار.
الأزمة أو الأزمات القادمة أخطر، حتى لو ارتفعت أسعار النفط إلى معدلات 60 و80 دولاراً.
ولنترك ذلك لمقال قادم.

Print Friendly, PDF & Email

2 تعليقان

  1. يضاف الى ما تقدم بشأن الاصلاح الاقتصادي ، يجب ان لا يغيب عن البال ان السياسة هي من تحكم الاقتصاد لا العكس . لذلك يجب التفريق : فهل هذه الاختلالات هي ناتج قصور مهني فقط ؛ ام انها حصاد سياسة ممنهجة مقصودة الغايات و الابعاد ؟ الواقع يشهد بأنها ، اي هذه الاضطرابات العاصفة ، انما هي مخرجات و آثار اعمال و سلوكيات مستهدِفة ؛ فحينها ، و عندما تكون الامور كذلك ، ينبغي ان يتوجه الهم الى الاصلاح السياسي اولاً و قبل كل شئ . فمن غير المعقول ان تطلب من اي مسؤول كان … ان ينضبط وفق اخلاقيات مهنته و هو يَسير و يُسيَّر بحسب نظرية تصرف المالك في ملكه !
    لذا يتوجب اذا ما أُريد الاصلاح حقيقةً و واقعاً فعلياً … المبادرة بتوصيف هيكلية جديدة للإدارة السياسية يرتكز مبتناها على ان الحق العام في الشأن العام اذا كان لبشر فلا يجب ان يكون تحت رحمة فرد او اسرة او جماعة او حزب او طائفة … الخ ؛ و انما امر ذلك الى المجتمع بكامل كيانه … الى الشعب بمجموعه و بكل اطيافه … عندها و عندها فقط تتحرر ارادة الاصلاح من الاغلال التي كبَّلتها و لازالت تكبلها الى ان يشاء الله تعالى غير ذلك …!

  2. يضاف الى ما تقدم بشأن الاصلاح الاقتصادي ، يجب ان لا يغيب عن البال ان السياسة هي من تحكم الاقتصاد لا العكس . لذلك يجب التفريق : فهل هذه الاختلالات هي ناتج قصور مهني فقط ؛ ام انها حصاد سياسة ممنهجة مقصودة الغايات و الابعاد ؟ الواقع يشهد بأنها ، اي هذه الاضطرابات العاصفة ، انما هي مخرجات و آثار اعمال و سلوكيات مستهدِفة ؛ فحينها ، و عندما تكون الامور كذلك ، ينبغي ان يتوجه الهم الى الاصلاح السياسي اولاً و قبل كل شئ . فمن غير المعقول ان تطلب من اي مسؤول كان … ان ينضبط وفق اخلاقيات مهنته و هو يَسير و يُسيَّر بحسب نظرية تصرف المالك في ملكه !
    لذا يتوجب اذا ما أُريد الاصلاح حقيقةً و واقعاً فعلياً … المبادرة بتوصيف هيكلية جديدة للإدارة السياسية يرتكز مبتناها على ان الحق العام في الشأن العام اذا كان لبشر فلا يجب ان يكون تحت رحمة فرد او اسرة او جماعة او حزب او طائفة … الخ ؛ و انما امر ذلك الى المجتمع بكامل كيانه … الى الشعب بمجموعه و بكل اطيافه … عندها و عندها فقط تتحرر ارادة الاصلاح من الاغلال التي كبَّلتها و لازالت تكبلها الى ان يشاء الله تعالى غير ذلك …!

اترك رداً على احمد الفريح إلغاء الرد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *