الرئيسية » آخر الأخبار » أحمد الخطيب : ألا تخجلون من تحميل الضعفاء سداد فاتورة سُرَّاق المال العام ؟!

أحمد الخطيب : ألا تخجلون من تحميل الضعفاء سداد فاتورة سُرَّاق المال العام ؟!

أحمد الخطيب
أحمد الخطيب

في التسعينات، شهدت الكويت أزمة مالية صعبة، فاتخذ المسؤولون، آنذاك، قراراً بتخفيض مخصصات الوزارات إلى20 في المائة.

جامعة الكويت، المسؤولة عن إعداد أجيال قادمة مؤهلة علمياً وقادرة على مواكبة التطور العلمي المذهل، الذي من دونه لا يمكن دفع عجلة التنمية لمتطلبات هذه المرحلة الحرجة، وجدت في مخصصات البحث العلمي سبيلاً لحل المشكلة، فألغت هذا البند، لأنه غير مكلف سياسياً في عصر الجهالة. فإذا كان هذا الفهم موجوداً لدى المسؤولين في الجامعة، فهو حتماً مقبول للذين لايزالون قابعين في كهوف الجاهلية الأولى، ممن أوصلونا إلى هذا المأزق، الذي نعيشه الآن، و«أخو الجهالة في الشقاوة ينعم».

في عصر النازية بأوروبا، هرب عالم مجري مشهور إلى بريطانيا، واقترح إنشاء معهد للعلوم لتخريج العلماء، لضمان مواكبة التطور العلمي، آنذاك، واتصل علماء بريطانيون بتشرشل، وطلبوا منه المساعدة، فتحمَّس لهذا الاقتراح، ووافق عليه، ورفض تحديد ميزانية محددة له، قائلاً: المعهد هو الذي يحدد الميزانية المطلوبة، ليؤدي عمله وينفذ برامجه، فميزانيته مفتوحة.

ماذا كانت النتيجة؟ معظم العلماء الذين حصلوا على جائزة نوبل للعلوم كانوا من خريجي هذا المعهد.

أقول للمسؤولين عندنا، الذين أوقفوا البعثات العلمية، والدورات المهمة لتطوير الكفاءات، وتعميق التخصصات العلمية، والتوسع في ميزانية التعليم، ما قاله المثل الشعبي «اللي ما يعرف الصقر يشويه»، وحسبي الله ونعم الوكيل!

الجميع يتحدث عن مشاريع التقشف المطروحة من قبل الدولة، للتغلب على مشكلة العجز المالي، التي جاءت في معظمها على حساب المواطن البسيط، وفي المقابل هناك الكثير من الأمثلة التي عايشناها وعرفناها في فترات سابقة بعكس هذا الاتجاه، وطرحُنا لها اليوم ليس تجنياً على أحد، بل واقع، وإليكم بعضها:

مهزلة شراء شركة سانتافي «Santafe» ببليوني دولار، كما يقول الوزير الكويتي المسؤول

الوثائق التي قدَّمها الوزير فيها ملايين الدولارات تدفع كضرائب للحكومة الأميركية، مع أن الشركة مفلسة.

أمام هذا التناقض الواضح قدمت سؤالاً للوزير، أطلب منه الإيضاح، فالقانون الأميركي يأخذ الضريبة من الأرباح، وليس من الخسائر.

الوزير طلب مني إعطاءه مهلة حوالي خمسة أشهر، لإعداد الجواب، قائلاً إن هذه الشركة فيها شركات عدة، وحساباتها طويلة ومعقدة، فقلت لا تستعجل، خذ ما تشاء من الوقت. وبعد خمسة أشهر تقريباً، اتصل أمين سر المجلس، وقال إن الرد وصل، لكنه لن يعرض على المجلس، فهو سري، وفق التقاليد المرعية، وعليَّ الحضور شخصياً إليه لتسلم الرد. جهزت نفسي، وأفرغت الأغراض التي في صندوق السيارة، لتستوعب الإجابة، إلا أنني أُصبت بدهشة عندما أخرج ظرفاً صغيراً وسلمه لي.

ماذا كان رده، سامحه الله؟! أربعة أسطر يقول فيها إن بعض الشركات تربح، وأخرى تخسر، وعليكم السلام. أغضبني هذا الاستهتار.

عادة في مثل هذه المشاكل يتم استجواب الوزير على هذا الاستخفاف والاستهزاء، إلا أنني رفضت أسلوب الاستجواب المتبع، لأنه يحول القضية إلى صراع شخصي بين الوزير والنائب، وأنا لا أقبل مطلقاً هذا الأسلوب الفج، فهو يقتل القضية.

الاستجواب ليس معركة بين طرفين، بل مجابهة بين وجهات نظر مختلفة، لذلك فضلت الذهاب إلى رئيس الوزراء، لإطلاعي على الموضوع، عله يتخذ الإجراءات اللازمة.
ما الحقيقة؟ الشركة مطلوبة للحكومة الأميركية ببليونيّ دولار لم تدفع للخزينة الأميركية، وعلى المشتري أن يدفع هذا المبلغ، فدفعته الكويت، وتقاسمت الشركة ووزيرنا المحترم المبلغ، أي بليوني دولار، فنحن في الحقيقة اشتريناها بأربعة بلايين دولار.

العصابة الحاكمة

هذه الأمثلة، وغيرها كثير، نراها في كل مشاريع الدولة المتعثرة، ويلقى الضوء على عصابة مالية (مافيا) أحكمت سيطرتها على كل مفاصل الدولة المالية، وقد امتدت جذورها إلى مواقع مهمة في السلطة، والويل لمن يعترض طريقها، وأصبح ضحاياها كثيرين من الشرفاء الذين حاولوا الإصلاح وإيقاف السرقات، فهم لا يتركون أدلة تدينهم، لأنهم لا يستخدمون الوسائل العادية في اتخاذ القرارات، بل يلجأون إلى الأوامر الشفهية، حتى لا تكون هناك أدلة مادية تدينهم، فالأوامر الشفهية هي سلاح الحرامية.

فهد محمد الراشد.. الفدائي في هذا المجال، استفاد من خلاف دبَّ بين اثنين، وحصل على وثائق دامغة قدَّمها للقضاء مشكوراً، فهل سيلقى الدعم الرسمي الكامل؟ أستبعد ذلك!

هيئة الاستثمار

دارت أحاديث كثيرة حول استثماراتنا، خصوصاً بمناسبة الاحتلال، وكانت قد شكلت لجنة من أشخاص عُرف عنهم النزاهة، وحب الوطن، وهم: يعقوب يوسف الحميضي، محمد العدساني، فهد محمد الراشد، فهد عبدالرحمن البحر، واكتشفت هذه اللجنة مخالفات جسيمة، خصوصا كونها حصلت والكويت تحت الاحتلال، وقدمت تقريرها لرئيس مجلس الوزراء، الذي رفض التقرير وقدمت اللجنة استقالتها.

التقرير الخطير تمَّت تلاوته في مجلس الأمة لعام 1992، وثبت في مضبطة المجلس، ليكون شاهداً على فضيحة العصر.

فرسان المجلس

أ – فارس الصندوق الأحمر، الذي بشر أحد نوابنا الأفاضل، عندما حقق في اختلاسات في إسبانيا، ودور الحرامي دلاردسا، الذي أدين لاحقاً من قبل المحاكم الإسبانية. هذه الفرحة لم تتم، فسرعان ما دُفن الموضوع برمته وقتها، وأخيراً قبضنا القليل مما خسرناه.
واختفى نائبنا عن الأضواء، إلا أنه أصابه الخير الكثير.
ب – شعرنا بالفرح عندما جاء أحد الزملاء إلى المجلس، حاملاً ملفاً لوزارة الدفاع فيه، كما قيل، أدلة على ما كان يُثار، من أن عمولات ضخمة حصل عليها البعض، فنزل عليه مرض الصم والبكم، واختفى الملف بقدرة قادر، ويقال إن صاحبنا أصابه خير كثير عابر للقارات.

11A – BELEGRAVIA

هذا هو عنوان شقة فاخرة في أهم وأغلى منطقة في لندن عام 1992، فقد كتبت جريدة اقتصادية بريطانية تقريراً مفصلاً عن فضيحة مالية لهيئة الاستثمار في لندن، وفيها صورة كبيرة لرئيس الوزراء، ورقم حساب له تحت رقم «11A» تحول له ملايين الدولارات.

وصادف أن كان هذا الرقم عنواناً لشقة فاخرة بأغلى منطقة في لندن تم شراؤها من قِبل مكتب الاستثمارات.. تحوَّلت بقدرة قادر إلى سكن لرئيس مجلس الوزراء عندما يكون في لندن، وديوانية كذلك لاستقبال الضيوف، ولا أدري إن كانت قد سجلت باسمه، واتضح لي بعدها أن ذلك كان متعمداً من المسؤولين، لمنع رئيس الوزراء من محاسبتهم على نهب بعضهم للأموال العامة، لأن رئيس الوزراء، كما أعلم، لا يمكن الطعن في ذمته المالية.

الطريف في الأمر، أن نسخة من هذه الجريدة أرسلها لي صديق، فوضعتها في درج مقعدي بالمجلس، وقد جلس أحد الأصدقاء من النواب إلى جانبي في إحدى الجلسات، وتحدثنا عن السرقات وأطلعته على الجريدة.

وفي الجلسة التي بعدها وجدت أن الجريدة اختفت، وبعد مدة ظهرت على هذا الصديق علامات الخير الوفير، وأصبح مليونيراً معروفاً.. سبحان مغير الأحوال!

«التأمينات الاجتماعية»
وفضيحة الرجعان

«التأمينات الاجتماعية» ليست مؤسسة حكومية فحسب، بل يساهم المواطنون وأصحاب العمل في تمويلها، وهي الملجأ الأخير للمتقاعدين، وتحميهم من الحاجة.

هذه الهيئة أشرف على تأسيسها وإدارتها كوكبة من الشباب الكويتي المؤهل المخلص لبلده، وكانت أعجوبة في إدارتها وخدمتها للعملاء، فقد كان قانونها يمنع المجازفة بنشاطاتها المالية، وبقيت كذلك حتى تولى الرجعان رئاستها، فاستغل علاقاته العائلية، إلى جانب شبكة واسعة من العلاقات المالية، الأمر الذي مكَّنه من الانفراد بالقرار، رغم معارضة أعضاء في مجلس الإدارة لتصرفاته، وانتقادات ديوان المحاسبة، وكذلك كل الانتقادات التي وُجهت إليه في مجالس الأمة المتعددة.

وتشاء الأقدار أن يدب خلاف بينه وشريكه الكويتي الهارب من العدالة حول تقسيم الأموال المسروقة، وحصة كل واحد منهما.

عندما وصل هذا الخبر إلى فهد الراشد، الفدائي في هذا المجال، سارع إلى العمل للتعرف على هذا الشريك، وكان الراشد التحق بمجلس إدارة «التأمينات»، وأثار ملاحظاته، لكن من دون فائدة.

حصل من هذا الشريك على وثائق عدة، فأحالها إلى النيابة العامة، ووُفق في شخص من النيابة جنَّد كل إمكاناته مشكوراً.

الخلاصة، أن الحكومة لم تبادر إلى أي عمل جدي لإعادة أموالنا الضخمة المسروقة، مع أن الحصول عليها أمر في منتهى السهولة، فهناك جهات مالية محلية وعالمية قادرة على فحص كل صفقة تمَّت بكل تفاصيلها.

الحل موجود، لكننا بحاجة إلى مسؤولين يتصفون بنظافة اليد، ويحبون هذا الوطن، ويعملون بإخلاص لحماية أموال الشعب، لا تحميله عبء عجزنا المالي، لإقامة الدعوى عليه.

وكان طبيعياً أن يغادر الرجعان الكويت، لأن هروب الحرامية أصبح طبيعياً، حماية للشركاء المحليين المهمين، فيعشيون في الخارج ينعمون بما اختزنوه من أموال هناك.
حظه السيئ كانت مشكلته مع الحكومة السويسرية، التي اتهمته بغسل الأموال، بسبب حجم تحويلاته، هؤلاء لا يعرفون «الغشمرة»، بعد إدانتهم بقبول أموال مسروقة.

إذا كنتم جادين لمعرفة الحرامية !

يا مسؤولون.. هل أنتم جادون لمعرفة الحرامية؟ كلفوا أحد البيوتات المالية العالمية لمعرفة تفاصيل كل صفقة استثمارية، وستعطيكم أسماء كل المتورطين، والمبالغ التي بلعوها.

Print Friendly

تعليق واحد

  1. هذا عرض اكثر من رائع لواقع مهم من تداعيات السياسة المنفردة للإدارة السياسية الكويتية … لكن ما الحل ؟ هل كُتب على الشعب ، ها هنا ، ان غاية ما يمكنه فعله هو الانين و الشكوى مما حل به ؟ ام قد بلغ سوء الحال بهذا الشعب ان قد اصبح لا يفرق في طلبه بين ما يريد و بين ما لا يريد ؛ اي أُصيب بذهول او حتى عمىً عما هو فيه !
    لا اظن ان هناك في المجتمع ، من جهة المسؤولين ، من هو برئ ، و من هو مدان بإفتئاته على حقوق الناس ؛ بل كلهم تشملهم الادانة ، فمنهم من هو موغل في التجاوز على المصلحة العامة ، و منهم من هو راضٍ يتستر عليه بدافع مصلحته الشخصية ؛ فالمحصلة انهم كلهم ” في الهوى سوى ” !
    و لعل مرد ذلك ان فلسفة النظام قائمة على الاعتبار و التقديرات الشخصية و التي ، عادةً ، ما تحول بين رؤية المجتمع ككل ، و بين رؤيته كأبعاض و أجزاء ؛ يتم التعامل معه وفق هذه التجزؤات ! و هذا مبعثه عدم تجلي صورة مبدأ ان الشعب مصدر السلطات في اذهان الناس ؛ فصار عرفاً بين كل المسؤولين ان من يعمل وفق اجندته الشخصية ، فهو عامل من اجل كل اطياف المجتمع ؛ و بالتالي اصبحت المصلحة العامة رهينةً للمصلحة الذاتية ، و هذا اخطر ما يمكن ان يبلغه تصرف مسؤول !

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *