الرئيسية » أحمد الجاسم » أحمد الجاسم : أميركا وإسرائيل.. مَن يتبع الآخر؟

أحمد الجاسم : أميركا وإسرائيل.. مَن يتبع الآخر؟

أحمد الجاسم
أحمد الجاسم

على الرغم من انحياز السياسة الأميركية الخارجية باتجاه العدو الإسرائيلي، في ما يتعلق بالصراع العربي – الإسرائيلي، فإن هناك من الليبراليين العرب واليساريين «التائبين» لايزالون معجبين بالنموذج الأميركي، وحضارته المتقدمة وشعاراته الحداثوية.

فمَن يقرأ منكم ومنكنّ كتابات شاكر النابلسي ود.عبدالخالق حسين وأ.خليل حيدر، سيعرف كم كانت رؤيتهم وردية وخيالية لمستقبل «العراق الأميركي الديمقراطي الفيدرالي التعددي»، الذي تحوَّل بفعل الاحتلال الأميركي إلى خرابة تنعق فيها الغربان وتتلاعب فيها الثعالب.

هؤلاء كانوا يَرَوْن «أن الارتباط بين أميركا وإسرائيل مؤقت، وأن باستطاعة العرب، لو أجادوا استخدام السياسة والدبلوماسية، أن يفكوا هذا الارتباط، ويوجهوا السياسة الأميركية نحو الانحياز لهم، وأن يضمنوا على الأقل وقوفها على الحياد… «. (١)

يفنّد الراحل الفيلسوف فؤاد زكريا هذا الادعاء، بقراءة عميقة لطبيعة العلاقة الوثيقة بين أميركا وإسرائيل من جهة، وموقفها من القضايا العربية، فيرى أنه من العسير على العرب أن يوفقوا بين شيئين متناقضين، وهما الحرص على إرضاء أميركا من جهة، والتصدي لإسرائيل ومشاريعها التوسعية من جهة أخرى، فمن يطلب صداقة أميركا عليه أن يؤيد توجهاتها الاقتصادية الرأسمالية والسياسية، القائمة على مصادرة القرار العربي، والسيطرة على موارد المنطقة وثرواتها، وخير مَن يقوم لها بهذا الدور الاستعماري الجديد، هو دعم هذا الكيان الصهيوني التوسعي، الذي يستنزف طاقات الأمة العربية، ويقتل أبناءها ويحتل أراضيها، فتدخل المنطقة في دوامة من الحروب والدمار والاستنفار والانقلابات باستمرار، فتعيق استقرارها ووحدتها وتقدمها، فكيف سنحارب أداتها وركيزتها السياسية، وفي الوقت نفسه نطلب صداقتها والتقرب إليها؟!

ألا نلاحظ هرولة أصدقاء أميركا من العرب «المعتدلين» هذه الأيام نحو السلام مع إسرائيل، حفاظاً على التوازن في العلاقة، والبقاء بمقعد الحكم مدة أطول؟

ثم يحفر الدكتور في أرضية العلاقة بعمق أكثر من الروابط الاستعمارية والرأسمالية بين الاثنين، ليكتشف أن ظروف النشأة للكيانين متشابهة، فكلتاهما قامت على إبادة شعبين وتهجيرهما (الهنود الحمر – الفلسطينيين)، ثم الاستيلاء على أراضيهما (أميركا الشمالية، فلسطين)، فضلاً عن الارتباط الروحي والحضاري بين الغرب وإسرائيل عبر التلازم بين ثنائية (العبرانية – المسيحية)، أو في إطارها الإنجيلي (العهد القديم والعهد الجديد)، على الرغم مما تعرَّضت له الأقليات اليهودية في أوروبا من اضطهاد وتهميش وإبادة أحياناً. فالمؤسسون للصهيونية وأبرز زعماء إسرائيل جميعهم كانوا منتمين في صميمهم إلى الحضارة الغربية عقلياً ونفسياً وثقافياً(٢)، لكن هذا لم يمنع من حدوث تحولات وتراجع في المواقف تشهدها دول أوروبا وأميركا حالياً، وعلى مستوى الجمعيات الأكاديمية والنقابات والاتحادات والكنائس تحديداً، حول تأييد «إسرائيل»، والانخراط في مقاطعتها، بعد أن أثبت هذا الكيان فاشيته وعنصريته ودمويته ضد شعب أعزل محاصر على مدى عقود.

المحطة اليتيمة في تاريخ السياسة الأميركية التي تتجلى فيها سطوة القوة الأميركية على القرار الإسرائيلي، هي عهد إيزنهاور (١٩٥٣-١٩٦٠)، حين وقف ضد العدوان الثلاثي على مصر ١٩٥٦، وضد تحويل نهر الأردن إلى النقب، وأرغم إسرائيل على الانسحاب من سيناء، عبر تهديدها بالمقاطعة الاقتصادية وإلغاء الإعفاء الضريبي على التبرعات اليهودية، فرضخت بالطبع.

ويفسر المؤرخ الفلسطيني الكبير وليد الخالدي هذا الموقف، بأن إيزنهاور لم يكن يُقدم على ذلك حباً في العرب، بل وفقا لما أملته عليه المصالح العليا لأميركا آنذاك، وأيضاً لعب عامل ابتعاده عن سيطرة الأوساط اليهودية الصهيونية لجنة «الإيباك» و»مؤتمر رؤساء الهيئات الأميركية اليهودية الكبرى» دوراً كبيراً في ذلك، لكونه يرى في نفسه بطلاً قومياً دفعته إلى القمة موجة ضخمة من التأييد الشعبي العارم، من دون أن يكون لأحد فضل عليه في الوصول للسلطة.

ومع تلك الصلابة والصرامة مع إسرائيل، حصلت الأخيرة في عهده على معونات مالية ضخمة قُدّرت بـ ٤٩٣ مليون دولار.

وحينما ترشح جون كنيدي للرئاسة، أدرك مبكراً أن الوصول إلى السلطة يمر عبر البوابة الإسرائيلية، فحرص على عدم التصادم معهم ومغازلتها أحياناً، بامتداح هرتسل مؤسس الصهيونية، فحصل على دعمها ووصل إلى السلطة.. وعلى الرغم من إعجابه بعبد الناصر، ورغبته بالتعاون معه، للوصول إلى تسوية لأوضاع اللاجئين الفلسطينيين، وتأييده للثورة الجزائرية، فإن ذلك لم يمنعه من عقد صفقة مع إسرائيل، لبيعها أسلحة متطورة جداً، وباغتياله طُويت صفحة «استقلال» القرار الأميركي عن إسرائيل، فجاء خليفته جونسون، ليُعيد الانحياز الأميركي إلى إسرائيل كلياً، حتى وصل في ما بعد إلى مساندتها بجسر جوي في حرب رمضان ١٩٧٣ (٣).

أي أنه لا فائدة للعرب من عقد الآمال والأحلام على مَن سيخلف أوباما في المعركة الرئاسية القادمة، سواء كان ديمقراطياً أو جمهورياً، فأميركا ستظل حليفة لإسرائيل دائماً حتى إشعار آخر.

*******
(١) (٢) راجع كتيب العرب والنموذج الأميريكي: فؤاد زكريا
(٣) راجع كتاب الصهيونية في مئة عام: وليد الخالدي

Print Friendly, PDF & Email

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *