الرئيسية » قضايا وآراء » ناصر العطار : كي يصبح الكويتي كويتياً

ناصر العطار : كي يصبح الكويتي كويتياً

ناصر العطار
ناصر العطار

من حق أي فرد حريص على وحدة مجتمعه، أن يتساءل عن أسباب تفكك المجتمع إلى ولاءات متصارعة، تكسب كل يوم قوة ومناعة، بينما يخسر الوطن قيمته واعتباره.

بل من واجب كل فرد الاجتهاد في البحث عن الحلول الممكنة التي قد تساعد في قيام مجتمع يتكافأ فيه جميع المواطنين والمواطنات، لا تستبيح التفرقة نسيجه، ولا يخترق التعالي على بقية خلق الله قيمه.

لذلك، يطرح الكثير بإلحاح هذا الموضوع، لأهميته، فليس من الوارد أن يجتاز الصعاب ويبدع ويساهم في تقدم العالم مجتمع لا يجتمع أفراده على هوية واحدة.

قبل أيام قليلة تابعت حوارات تلفزيونية لمتخصصين وباحثين في العلوم الاجتماعية يحملون تساؤلات ووجهات نظر أظنها جديرة بالمناقشة تبحث في مسببات ما تعانيه المجتمعات العربية من تمزق وتبعثر، وكيفية معالجة ذلك.

وطرح أحد الأكاديميين تساؤلاً يعبّر عن صميم مشكلة المجتمعات العربية حول تجاوز الانتماءات العائلية والقبلية والطائفية داخل كل المجتمعات العربية على الانتماء الوطني، ويجيب بدوره عن تساؤله بالقول: «لا يوجد صمغ لاصق داخل المجتمعات العربية إلا الهوية العربية»، ويستطرد الأكاديمي في شرح وجهة نظره، قائلا: «بعد تراجع الهوية العربية وانحسار المد القومي العربي فشلت فشلا ذريعا ومدويا كل الهويات المحلية الطائفية والعشائرية في المجتمعات العربية في جعل أفراد المجتمع مواطنين تجمعهم هوية واحدة.. فشلت في أن تقوم بوظيفة الهوية العربية في ضبط هوية المجتمع، لكي يكون بالإمكان إنشاء التعددية».

هذا التحليل لواقع المجتمعات العربية لست في وارد تأكيده وتأييده بشكل أعمى من دون ملاحظة.. أظن أن إعادة الاعتبار للهوية العربية تتطلب وجود ثقافة ديمقراطية في الدول العربية تستمع لكل الآراء وتناقشها، ولا تحول القومية العربية إلى عنصرية، وتطبق القانون بلا تمييز، وتضمن عدم محاصرة المجتمع المدني بالقوانين المقيدة، وعدم الاستهانة بالمشاركة الشعبية، فأخطاء وخطايا أغلب الحكومات العربية في الماضي وواقع ما يجري حالياً في كثير من أوطان الأمة يجب ألا يمر مرور الكرام على المتمسكين بالهوية العربية من دون مراجعة ونقد ذاتي، فقد كانت الهوية العربية تسطع بقوة في المجتمعات العربية، وكانت معظم الحكومات العربية ترفع راية القومية العربية، وامتلأت أوطان الأمة بالأحزاب القومية، وسال حبر غزير في تأييد الشعارات القومية، لكن بقي حق الإنسان العربي في حرية التعبير شبه غائب، ولم تستتب العدالة الاجتماعية مطولا بين الأفراد، وتم انتهاك كرامة الكثيرين، باسم الدفاع عن القومية العربية.

مضت 25 سنة على تحرير الكويت من كارثة الغزو العراقي، التي زلزلت قناعات الكثيرين في الهوية العربية، كردة فعل تلقائية على الغزو، ونمت عقليات عديدة منذ تلك اللحظة، لا تعرف ولا تعترف بالهوية العربية، إلا أن واقع المجتمع الكويتي يقول إن تراجع الهوية العربية ضرَّ أكثر مما نفع، وفرَّق أكثر مما جمع. لم يستطع الطرح الطائفي والقبلي والعائلي ملء الفراغ الذي خلفته القومية العربية في المجتمع الكويتي، ولم يبنِ هوية جامعة في المجتمع تسمح بظهور تعددية قائمة على المواطنة بين الأفراد.

أتصوَّر أنه من الصعب أن ينفي أحد، مهما بلغ الضيق من الهوية العربية ومن سياسات بعض الحكومات العربية مدى إبداع الكويتيين في الفن والاقتصاد والعلوم والسياسة، وغيرها من المجالات، بسبب بروزهم ككتلة وطنية متجانسة متمسكة بالاعتبار الوطني، ولا شيء غيره، في ظل تمدد الطرح القومي في الكويت والأمة منذ الستينات، حتى وقوع الاحتلال العراقي.

في الأسبوع الماضي أقيم مؤتمر منظمة التعاون الإسلامي في العراق، هاجم فيه رئيس مجلس الشورى الإيراني ما حدث أخيراً في السعودية، التي غاب وفدها عن المؤتمر، فردَّ رئيس مجلس الأمة مرزوق الغانم، معترضاً على ما قاله رئيس الوفد الإيراني، بالقول: «إذا كان الوفد السعودي غائبا، فأنا شخصيا والوفد الكويتي نمثل السعودية».

هذا الرد المساند للمملكة العربية السعودية يعيد للأذهان أهمية التلاحم الوطني بين الكويتيين، فكيف يمكن للمجتمع الكويتي أن يبدع ويواجه تحدياته الاقتصادية والاجتماعية من دون الانصهار الوطني، الذي بات حاجة ملحة لا ترف فيها؟ وكيف يمكن أن يوجد في المجتمع انصهار وطني قائم على هوية جامعة غير طائفية وقبلية وعائلية؟

Print Friendly, PDF & Email

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *