الرئيسية » آخر الأخبار » «التربية» في العناية المركزة.. والمطلوب إسعاف سريع

«التربية» في العناية المركزة.. والمطلوب إسعاف سريع

وزارة التربية
وزارة التربية

محمد الغربللي:
وزارة التربية حقل تجارب بامتياز، ليس على فئران مختبرات، بل على الإنسان، ممثلاً بطلبة المدارس الحكومية.. ففي كل فترة هناك تجربة تصاحبها إخفاقات في الدعائم الثلاث للتعليم: المناهج، المعلمون والمباني.. يمر وزير ويتم التعاقد مع إحدى المؤسسات السنغافورية، لتطوير المناهج الدراسية، ويمضي وقت وتصرف أموال، والنتيجة لا تقدم ولا أخذ بالتوصيات.

وكما ذهبت وعود وزير التربية الأسبق أحمد المليفي بالارتقاء بالعملية التعليمية أدراج الرياح بذهابه، ذهبت أيضا توصيات ودراسات الجهات السنغافورية التي تعاقدت معها الوزارة لتطوير المناهج الدراسية.

بدر العيسى
بدر العيسى

يُذكر أنه من الخطوات والإجراءات التي اتخذها الوزير المليفي كانت «الفلاش ميموري»، الذي كان يريد من خلاله الاستغناء عن الكتب الثقيلة على ظهر الطالب.

التبذير

ثم أتى وزير آخر، هو د.نايف الحجرف، الذي هاله ما رأى من مشاكل في هذا الميدان، خصوصا عندما زار في إحدى المرات مخازن الوزارة، وشاهد بأم عينيه ما يتكدَّس فيها من مئات الآلاف من الكتب المدرسية الزائدة عن الحاجة.. نوع من التبذير، ويضاف لها أشكال وألوان من التنفيع، وكما فعل سلفه، أوصد باب وزارته وعاد راجعا مستنكفا عن المضي بأي إصلاحات.. فالخراب كبير.

مشروع الوزير الحالي

وزيرنا الحالي د.بدر العيسى، يريد أيضا تطوير المناهج، ومن أجل هذا الهدف اتفق مع البنك الدولي، لإنجاز هذه المهمة بعشرات الملايين من الدولارات.. وقتها كانت أسعار النفط تغري بالصرف ولا حسيب أو رقيب.. واليوم لا نعلم ما آلت إليه نتائج دراسات البنك وصيرورتها، لكن الإخفاق كان ملازماً للوزير في القطاع التعليمي، من حيث تأخر الإنشاءات، وتعطل أجهزة التكييف، ولم يكن يُسمع منه إلا أن كل شيء جاهز للدراسة.. والمفروض، وكأضعف الإيمان، أن تكون المباني وإعدادها في مقدمة الترتيبات للعملية التعليمية، فالأموال موجودة، والميزانية الخاصة بها متخمة، ومع ذلك لم يكن هناك استعداد تام لاستقبال الطلبة في أجواء طقس حارة وأجهزة تكييف معطلة، وأبنية مدرسية بعضها آيل للسقوط، و«الشق عود» لا يمكن ترقيعه.

وهكذا استمر التعليم الحكومي في مسلسل انحداره من سنة لأخرى، ضاربا جذوره إلى الأعماق.

زيادة الرسوم

يوم الثلاثاء من الأسبوع الماضي نشرت الصحف الصادرة في ذلك اليوم خبر موافقة وزارة التربية على أن تزيد المدارس الأميركية والبريطانية رسومها على الطلبة، اعتباراً من العام المقبل نسبة 5 في المائة.. أما الطلبة المستجدون لديها، فتم إخضاعه للعقد المبرم بين أولياء أمورهم وإدارة تلك المدارس.

وتعليقا على الخبر، أتى تصريح الوزير ليزيد «الطين بلة» عندما قال، وفقا لما نشرته الصحف في اليوم ذاته، إن «منح أصحاب المدارس الخاصة تحديد الرسوم سيكون للطلبة الجدد فقط»، وهو عرض أشبه بمن يشتري سلعة جيدة تستحق الدفع، أو كأنه بهذا التصريح يقول ضماً إن مَن يرد سلعة «تايوانية»، فعليه التوجه للتعليم الحكومي.

تصريح الوزير أتى بهذا الشكل بشأن زيادات الرسوم للعام المقبل بالنسبة للطلبة المسجلين في تلك المدارس، ورسوم أكبر للمستجد منهم، تصريح واضح من دون لبس أو سوء فهم.

ردة فعل النواب

في ذات اليوم كانت هناك جلسة لمجلس الأمة، وعندما قرأ بعض النواب الخبر ثارت ثائرتهم ضد الوزير، وذهب بعضهم إلى التوجه لاستجوابه، في حال إقرار تلك الزيادة، وتوعده إن هو مضى بها تنفيذاً.

ويوم الأربعاء، واستكمالاً للجلسة، خُصص وقت لمناقشة هذا الموضوع، وخرج المجلس بقرار تجميد الزيادة، بل إعادة المبالغ لأولياء الأمور من المدارس في حال القيام بها، من جهته وعد وزير التربية وزير التعليم العالي المجلس بالتزام وزارة التربية بعدم زيادة الرسوم الدراسية في المدارس الخاصة، إلا بعد تدارس الموضوع مع اللجنة التعليمية البرلمانية، مؤكدا أن «الزيادة لاتزال قيد البحث والنقاش».

وزير التربية أتى بممحاة كبيرة، ومسح تماماً تصريحاته التي نشرت يوم الثلاثاء، مسحها خلال 24 ساعة، بعد ردات الفعل تلك على مستوى أعضاء مجلس الأمة، أو ردة الأفعال الأخرى في القطاع التربوي الخاص، كرئيس اتحاد المدارس الخاصة أ.عمر الغرير، الذي ندد بقرار وزير التربية في حصر حق الزيادة للمدارس الأميركية والبريطانية، مطالبا بزيادات مماثلة للعربية والباكستانية والهندية والفلبينية، وفحوى كلامه، أنه «إذا كانت هناك زيادة بموجب معايير محددة، فلتشمل الجميع».

وجهة نظر

وجهة نظر المدارس الأجنبية؛ الأميركية والإنكليزية، أنها تحت ضغط منافسة من دول خليجية تمنح رواتب تفوق تلك التي تمنحها المدارس الكويتية بكثير، لذا يتوجه المدرسون الأجانب إلى تلك الدول، وخاصة الإمارات، لسهولة الحياة فيها والرواتب المجزية، ولاسيما أن الأجانب هناك يشكلون الأغلبية الكاسحة من السكان، ومن جراء هذه المنافسة – التي في غير مصلحة الكويت- لا تستطيع التعاقد مع أساتذة أكفاء، لذا طالبت بزيادة الرسوم، كي تتمكن من جلب عناصر تربوية من الكفاءات، لكن على ظهور أولياء الأمور، ونتيجة تدني مستوى التعليم الحكومي، فالمدارس الأجنبية لا يدخلها الأجانب فقط، بل تشمل المواطنين، ما أدى إلى زيادة الطلب على هذه المدارس بشكل أكبر من طاقتها الاستيعابية.. فالطلب أكثر بكثير من العرض، وقد يكون أصحاب هذه المدارس وجدوا ضالتهم برفع الرسوم، كطريقة للحد من هذا الطلب.

مكمن العلة

العلة تكمن في التعليم الحكومي المتدني الأداء مع تجارب القائمين عليه الخاطئة، ولا سيما في السنوات الأخيرة، وهذا ما أدى إلى توجه المواطنين، كما المقيمين، إلى المدارس الأجنبية، ويكفي تصريح وكيل التربية، بأن هناك 250 طلبا مقدما للوزارة، للموافقة على فتح مدارس خاصة للتدليل على ذلك.

تنص المادة الثالثة عشرة من الدستور على أن «التعليم ركن أساسي لتقدم المجتمع تكفله الدول وترعاه»، وهي مادة دستورية واضحة بشأن كفالة الدولة ورعايتها لهذا القطاع.. ومارسته بنجاح كبير قبل حتى الاستقلال وإعلان الدستور، لكن منذ عقود لاتزال العملية التعليمية في تدنٍ مستمر، من دون توقف، ولاتزال حقلا للتجارب لكل من هب «وتوزّر» في المناصب العليا، ولم تعش وزارة التربية وزارة التعليم العاليا بمثل هذه الفوضى والتخبط بالقرارات الصغيرة مثلما عاشته خلال السنتين الأخيرتين.

المطلوب عملية إنقاذ وتغيير كبير، فالخيوط «مشربكة»، والكفيف يحاول فكها من دون نتيجة.

Print Friendly, PDF & Email

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *