الرئيسية » محليات » حكومتنا «الرشيدة».. عقلية الاستفراد ونهج العجز المزمن

حكومتنا «الرشيدة».. عقلية الاستفراد ونهج العجز المزمن

مشروع المستشفى
مستشفى جابر.. مشروع على قائمة الانتظار

محمد الغربللي:
في ذات الفترة التي يكثر فيها الحديث اليومي عن رفع الدعومات والتقشف، بكل أنواعه، وقيام بعض الجهات بخفض المصروفات، كالحرس الوطني، الذي أجَّل التأمين الصحي لمنتسبيه، وإعلان وزارة التربية – وفق ما تطالعنا به الصحف اليومية- أنها بصدد وقف المميزات أو العلاوات، وغيرها، التي كانت تصرف بشكل اعتيادي قريب من الاعتباطية خلال السنوات الماضية، تصادفنا حكايات ومشاهد يمكننا استخلاص العديد من الملاحظات عبرها، للاستدلال على أننا نسير كيفما اتفق، سواء في سنوات الفوائض المالية، أو سنوات انخفاض الدخل والعجوزات في الميزانية.

جابر المبارك
جابر المبارك

المشهد الأول

يفترض لأي حكومة لديها جهاز تخطيط وإحصاء ومراكز دراسات، أن تضع عدة سيناريوهات بناءً على مؤشرات انخفاض إيرادات الدولة، وتأثير ذلك على الميزانية عامة والأوضاع الداخلية، لتضع لها حلولا قابلة للتطبيق، من أجل معالجة انخفاض أسعار النفط وتداعياته على المستوى الداخلي، انطلاقا من أسوأ السيناريوهات لا أحسنها أو أسهلها أو أخفها عبئا، ممثلة بالقرارات العشوائية التي تُتخذ حاليا.

ولا نعتقد أن مثل هذه الحكومة الحالية قادرة على تولي هذه المهمة، أو أنها تمتلك الأهلية لتوليها، وخير شاهد على ذلك قصة مشروع مبنى المطار، الذي أعلن وزيره الأسبق أهمية إعادة دراسته، بسبب ارتفاع كلفته.. وبدلاً من إيلاء هذا الأمر أهميته، تم ما يشبه إزاحة الوزير والمضي في ترسية المشروع بأسعار عالية رغماً عن الرأي الهندسي والفني، الذي أبدى وجهة نظره في الأسعار المقدمة، ليُطرح المشروع، من ثم يأتي ديوان المحاسبة، موجها رسالة إلى وزارة الأشغال يبدي فيها اعتراضه على كلفة المشروع المغالى بها.

إذن، مثل هذه الحكومة لا يُنتظر منها معالجة الإيرادات السنوية المنخفضة أو العجز في الميزانية.

العلاج في الخارج

مشهد آخر لا يقل غرابة أيضا، وهو أن الجميع يتحدث عما يسمى «سياحة» العلاج في الخارج، وتشير الأرقام إلى ارتفاع كلفتها بمئات الملايين من الدنانير، ويضع ديوان المحاسبة «بصمته» على صحة تلك المعلومات حول المصروفات التي تكبَّدتها الدولة خلال سنة لمن أوفد للعلاج في الخارج، شارحاً أن مئات من ملفات العلاج للخارج أتت خارج نطاق التوصيات الطبية، أي بالعربي الفصيح بالواسطة، سواء من مصادر نيابية أو حكومية، لا يوجد تفصيل بها.. والجميع ساكت أخرس، إن كان على مستوى الأغلبية من النواب، التي قد تكون مستفيدة، أو الوزير المعني، أو رئيس الحكومة.. لا أحد يُفصح عن خلفيات منح هذه الفائدة تحت مبررات سياسية وترضيات نيابية، كما جرت العادة منذ سنوات طويلة، باسترضاء النواب، عن طريق قبول وساطاتهم لمن يريد العلاج في الخارج، خارج نطاق الحاجة العلاجية.

استجواب «فارغ»

والموضوع لم ينتهِ عند هذا الحد، بل حين قُدم استجواب إلى وزير الصحة د.علي العبيدي، أحد محاوره العلاج في الخارج، «صك» النواب آذانهم بما قيل أو يُقال عن هذا المحور أو المحاور الأخرى للاستجواب، ولم يحرك الاستجواب ساكنا، وكأنه كان فرصة لإضاعة الوقت، لا أكثر، ولم تُقدم لا توصيات، ولا بالطبع اقتراح بطرح الثقة، لتأتي صحف الأسبوع الماضي على صدر صفحاتها بالمانشيتات الرئيسة بخط كبير يقول: «الحكومة.. ضوابط جديدة للعلاج بالخارج»، وأخرى سطرت عناوينها بالقول: «ضوابط لوقف الهدر في العلاج بالخارج»، وأخرى «المبارك طلب إعادة النظر بإجراءات إرسال المرضى»، ورابعة «توحيد وتنظيم إجراءات العلاج بالخارج»، على اعتبار أن هناك عدة جهات ترسل مواطنين للعلاج في الخارج، فالمسألة ليست حكرا على وزارة الصحة وحدها، بل تعدتها إلى جهات أخرى غيرها، وكأن الحكومة برئاستها أو أعضائها المعنيين كانوا غافلين عن مصاريف هذا البند المتزايد في الميزانية، على الرغم من رائحة الممارسات التي تزكم الأنوف، وهم مساهمون بها، بشكل أو بآخر، وعلى الرغم من تقارير ديوان المحاسبة والاستجواب البرلماني «خالي الدسم» تماما، ليكتشفوا في النهاية أن هناك إسرافا وهدرا وعدم وجود ضوابط، وهذا يعني في نهاية المطاف «فوضى عارمة» في بند العلاج في الخارج، وهذا «الوعي» لم يأتِ جراء ما تم صرفه، أو المبالغة بالاتبعاث أو غيرها، بل من جراء انخفاض دخل الدولة، وانخفاض أسعار النفط، ولو بقيت الأسعار على حالها ما استفاقت الحكومة من سباتها، حتى لو وردت مائة ملاحظة من الديوان أو مائة استجواب برلماني.

مشاريع متأخرة

حكومة بكامل أدواتها الفنية لا تستطيع تحديد موعد تسلم مشاريعها التي تحت يديها وتصرف عليها مئات الملايين من الدنانير.

في الصيف الماضي، ذكر مصدر مسؤول في وزارة الأشغال العامة، أن الوزارة ستتسلم مستشفى جابر في ديسمبر 2015.. بالطبع مرَّ التاريخ من دون تسلم أو ما شابه ذلك، والأعمال لاتزال مستمرة في هذا المشروع، بانتظار تحديد موعد آخر.

الأمر ذاته ينطبق على طريق الجهراء، الذي يُنتظر الانتهاء من أعماله منتصف هذا العام، لكن من واقع تواصل الأعمال فيه سيبقى على حاله في التأخير بالتسلم، علماً بأن من يتولى بناء مستشفى جابر وطريق الجهراء، هو المقاول ذاته (شركة المقاولون العرب المصرية).. وهكذا أصبحت مشاريعنا التي تُصرف عليها تلك الأموال تحتاج إلى لجنة «رؤيا» للتحقق من انتهائها.

وللعلم، عند تناول أي مشروع يفترض أن يكون هناك جدول مُعد إعداداً دقيقاً يبيّن بموجبه جدول للإنجاز اليومي والأسبوعي والشهري والسنوي، ومن خلال هذا الجدول وواقع العمل المنفذ تتم معالجة أي نواحي تأخير في الإنجاز، حتى لو استدعى ذلك مصاريف إضافية تُحسب على كاهل المقاول، للتعويض عن التأخير الناجم في التنفيذ، لكن يبدو أن العين غافلة عن التأخير، من دون اتخاذ إجراءات، أو توجيه إنذارات، وكم كان لافتا تجاه هذا الموضوع ما نشرته صحيفة القبس في عددها الصادر 26 يناير الماضي من خبر يفيد «بتوجه سمو رئيس مجلس الوزراء لمحاسبة جميع القياديين المسؤولين عن تأخر إنجاز خطة التنمية وتنفيذ المشاريع، وإعطائه الضوء الأخضر للجنة الوزارية المختصة بتنفيذ سياسات الخطة بتوقيع أقصى العقوبات بحق قياديي الوزارات من وكيل ووكيل مساعد، وقد تصل العقوبات إلى العزل من الوظيفة والتحقيق لمعرفة أسباب التهاون في تنفيذ المشاريع».

سياسة عامة

هي مشاهد كثيرة ومتعددة، ولو تم التعمُّق في تفاصيلها، لوجدنا فيها الكثير مما يثير العجب، لكنها جميعا تكشف عجز الحكومة المزمن، عجزا لا يرجع إلى أشخاص بعينهم، بل إلى السياسة العامة للدولة التي قلصت بشكل متعمد الرقابة والمشاركة الشعبية عليها، وتريد التصرف بصورة انفرادية كما يحلو لها.

الأمر لا يتعلق بكفاءة أشخاص، بل بكفاءة نهج سياسي يتم السير عليه بين فترة وأخرى، ومرحلة وثانية، مرة بتعطيل الدستور وحلّ المجالس النيابية، ومرة بتزوير الانتخابات، ليأتي المجلس مطواعاً لها، وآخر التحكم كان بوضع آلية الانتخابات، بذرائع وهمية مختلفة وأساليب متعددة، إلا أن الهدف بالنهاية واحد، يتمثل في الاستفراد بالسلطة، ما قاد إلى مثل هذا الأداء بصورته الفردية أو الجماعية.. ففي النهاية ثمة عقلية ترفض الانسجام مع المتغيرات والتأقلم مع الزمن.

طريق الجهراء
طريق الجهراء لايزال عالقا
Print Friendly, PDF & Email

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *