الرئيسية » آخر الأخبار » قراءات في الهبة الفلسطينية (2 – 2): فلسطين الجديدة.. قوة في الفكرة والمشروع التحرري الديمقراطي

قراءات في الهبة الفلسطينية (2 – 2): فلسطين الجديدة.. قوة في الفكرة والمشروع التحرري الديمقراطي

فلسطين على عتبة مرحلة جديدة
فلسطين على عتبة مرحلة جديدة

بقلم: نديم روحانا

هذا المقال نشرته مجلة الدراسات الفلسطينية، عدد 105، التي تصدر في بيروت، وأفردت ملفاً خاصاً تحت عنوان «قراءة في الهبة الفلسطينية»، شارك فيه نديم روحانا وجميل هلال وخليل شاهين ومحمد دراغمة وامطانس شحادة وعميد صعاينة، ويتناول الملف التطورات الأخيرة على الساحة الفلسطينية.

و«الطليعة» تنشر الجزء الثاني من مقال نديم روحانا، وهو المدير العام لمدى الكرمل- حيفا، المركز العربي للدراسات الاجتماعية التطبيقية، وأستاذ في كلية القانون والدبلوماسية في جامعة تافتس في بوسطن.

الانتقال من مرحلة سياسية تاريخية فكرية إلى مرحلة جديدة، لا يتم بشكل آلي، ولا يتقدم التغيير بشكل خطي، بل إن عملية الانتقال نفسها، هي صيرورة فيها صراع بين المنظومة القائمة والمنظومة الجديدة، لكن ما يميّز الوضع الفلسطيني حالياً، أن المنظومة الجديدة ليست محددة المعالم، ولا هي معروفة بعد.

وستشهد مرحلة الانتقال من منظومة إلى أخرى، صراعات فكرية وحزبية وتنظيمية إلى أن تتحدد معالم المرحلة الجديدة بوضوح، وبالتالي، فإن من مسؤولية القوى السياسية والحزبية والفكرية الأكاديمية – إذا كانت وصلت إلى الاقتناع، بأن المرحلة السابقة انتهت – أن تساهم في الصيغة السياسية والفكرية للمرحلة الجديدة، كل من موقعها.

المشروع الوطني الجديد

نعيش اليوم انتهاء مرحلة، وعدم وضوح معالم المرحلة الجديدة، وسط ارتباك سياسي وفكري، لكن ما يميّز هذه المرحلة، هو البحث عن المشروع الوطني الجديد أو المتجدد، ومناقشة أهدافه.

ويبدو أن هذا البحث يشغل عدداً كبيراً من النخب السياسية والفكرية، وإن كان جاء متأخراً، بسبب مراهنة كثير من النخب السياسية والفكرية والأكاديمية، حتى اللحظة الأخيرة، على إمكان الوصول إلى حل يعتمد التقسيم، ويضمن قيام دولة فلسطينية، إلى جانب دولة صهيونية، وعلى إمكان حصول فلسطينيي 48 على المساواة في إسرائيل.

مركبات الوعي الجديد

ويبدو لي أن بعض مركبات الوعي الجديد والمشروع الجديد آخذة في التشكل، وربما يكون من المبكر الإشارة بثقة كاملة إلى هذه المركبات، لذلك سأذكر منها ما يبدو لي أنه آخذ في الانتشار والقبول في أوساط قوى سياسية واجتماعية عديدة:

المركب الأول: هو وعي متجدد، بأن الصراع بين الحركة الوطنية الفلسطينية والصهيونية، هو صراع طويل الأمد، وأننا لا نوشك على الوصول إلى نهايته على الرغم من أن الصراع بدأ في نهاية القرن التاسع عشر.
ويزداد تبيان ذلك باستمرار مع تكشف نيات إسرائيل عدم التخلي عن الاحتلال، وصعود قوة اليمين، الذي يعمل على التأكد من ذلك.
وإذا كان إنهاء الاحتلال هو أكثر الأهداف الفلسطينية القابلة للتحقيق، مقارنة مثلاً بتحقيق عودة اللاجئين، أو بتحقيق مواطنة متساوية للفلسطينيين في مناطق 48 (لأن ذلك يعني بالضرورة استبدال النظام الصهيوني بنظام ديمقراطي) – فإن انحسار إمكان إنهاء الاحتلال، وتسارع الاستيطان في الضفة الغربية، وتوحش تهويد القدس، أمور تزيد في القناعة بأن هذا الصراع يتطلب تصوراً بعيد المدى، من دون إهمال القضايا الآنية.. لذلك، فإن ترجمة هذا المركب إلى عمل سياسي يتطلب ليس فقط تفكيرا استراتيجيا، بل وضع أهداف آنية في جميع الساحات، من مواجهة التهويد في القدس، إلى العمل على كسر الحصار على غزة، والاهتمام بالقضايا الحياتية في الضفة الغربية والشتات. إن الجمع بين المدى البعيد والقضايا اليومية، هو ما ستحتاج إليه المرحلة الجديدة.
المركب الثاني: إن الصهيونية، كحركة استعمارية كولونيالية، لا يمكن أن توفر للفلسطيني العيش بكرامة في أي جزء من وطنه، وأنه لذلك لا يمكن للفلسطيني التعايش مع الصهيونية.
وإذا كان الفلسطيني يرى في الصهيونية حركة كولونيالية، فإن الهدف سيكون واضحا، وهو تفكيك النظام الكولونيالي.

وتتكشف بشكل متصاعد مميزات أيديولوجيا العنف والتوحش والإقصاء والاقتلاع والتمييز والاستعلاء والتفرد في الوطن وتداخل الديني بالقومي بالكولونيالي.
كما تتكشف معالم هذه الحركة الكولونيالية بتسارع مذهل كحركة تسير ضد مسار التقدم الإنساني والتاريخي، ويتميز هذا الفهم لطبيعة الحركة الصهيونية بأنه لا ينتشر بين الفلسطينيين فقط (ذلك بأن الفلسطينيين خبروا ذلك منذ أكثر من قرن)، بل بين أوساط النخب الفكرية والأكاديمية الغربية أيضاً، وإن لم يكن بالوتيرة المطلوبة، وبين بعض النخب في المجتمع الإسرائيلي نفسه. وسيزيد في هذا الفهم العودة إلى إطار التحليل الكولونيالي الاستيطاني لفهم طبيعة الصهيونية (للمزيد انظر: نديم روحانا، «المشروع الوطني الفلسطيني: نحو استعادة الإطار الكولونيالي الاستيطاني»، «مجلة الدراسات الفلسطينية»، العدد 97، شتاء، 2014، ص 18 – 39)، وازدياد النشاط الأكاديمي والفكري والسياسي فلسطينياً وعالميا في هذا الإطار.

ومن المفارقات المؤلمة، أن الانكشاف المتزايد لطبيعة الصهيونية يحدث في زمن عربي أفرز أكثر القوى ظلامية في العصر الحديث، وشغل العالم العربي في مواجهة هذه القوى واستغلالها أحيانا، لترسيخ الأنظمة القمعية.
والمؤلم أن العالم العربي، حتى اليوم، لم يقدم نموذجاً واحداً يكون نقيضاً ديمقراطياً ومواطنياً وإنسانيا للنظام الصهيوني، وإن الأمل بتقديم نموذج كهذا في بداية الحراك الشعبي الديمقراطي أجهض.. لذلك، فإن المواجهة المباشرة بين الحركة الوطنية الفلسطينية والصهيونية تلقي على الفلسطينيين مسؤولية خاصة في تقديم النموذج النقيض الذي لم ينجح العالم العربي في تقديمه حتى الآن.

المركب الثالث: إنه لم يعد في الإمكان تحمل الوضع الإنساني، الفلسطيني في فلسطين نفسها، أو في الشتات، خصوصا لدى جيل الشباب، إذ كيف يمكن للأجيال الشابة الناشئة في أجواء الإعلام المعولم، والاتصال الجماهيري، والانكشاف اللحظي للتجارب الفلسطينية تحت الاحتلال وتحت الحصار، أن تحتمل قمع إنسانيتها؟ وإلى متى ستتحمل الأجيال الشابة الناشئة في مناطق 48 المواطنة الكولونيالية، التي تسلب الفلسطيني حقه في وطنه، وتفرض عليه شروطاً يحتم قبولها إقرارا بدونيته في مقابل الصهيوني، وإقراراً بأنه غير متساوٍ حتى على المستوى الإنساني في مقابل الاستعلاء الصهيوني؟

ويبدو العمل الشبابي النشيط في جميع أنحاء فلسطين، والتشبيك الشبابي العابر للحواجز الأسمنتية والحدود، واللذان تجليا في عدد من مشاريع المقاومة الشعبية المشتركة في النقب والضفة الغربية، تعبيرا عن روح الجيل المتحدي والرافض للوضع القائم.. أما عمليات القدس والخليل، والمواجهات مع قوات الاحتلال وجها لوجه في الضفة الغربية وغزة، والاستعداد للموت، أياً يكن حكمنا القيمي عليها، وأيا يكن رأينا فيها، فتعبير عن انتهاء المرحلة التي أفلست فيها القيادات، والتي لم يعد الجيل الجديد – ما يسمى جيل أوسلو – يستطيع فيها أن يقبل الوضع القائم، الذي يتحكم فيه الكولونيالي في كثير من مناحي حياة الفلسطيني.

إنه وضع جنوني مملوء بالسرقة والسلب والاستهتار بحياة الفلسطيني والتغول والتضييق والإهانة، فقد صار اللامعقول هو ما يميز الممارسات الكولونيالية، وما يميز أشكال مقاومتها.

المركب الرابع: إن الوعي الجديد يشير إلى زيادة الاقتناع لدى جميع مركبات الشعب الفلسطيني، بأن المشروع الوطني الجديد لن يُكتب له النجاح، إذا لم يشمل الشعب الفلسطيني كله في فلسطين وفي الشتات.

ومن أحد أسباب فشل المشروع الدولاتي تخليه عملياً عن الشتات وعن فلسطينيي 48، وشهدت الأعوام الأخيرة ازدياداً ملحوظا في التفاعل في النشاط الفكري والسياسي بين الفلسطينيين في الضفة (وإلى حد أقل في القطاع بسبب الحصار)، وبين فلسطينيي 48.

وبينما حظي الحقل الثقافي في السابق بأعظم الجهد في جمع الفلسطينيين والتفاعل في ما بينهم، فإن التداخل بدأ يزداد في العمل الفكري والسياسي، ويعود ذلك إلى عوامل مركبة، أهمها اقتناع النخب الفلسطينية في الأراضي المحتلة منذ سنة 1967 بخيبة مشروع الدولة، وبروز النخب الفكرية السياسية الجديدة بعد أوسلو في مناطق 48، التي تحدت فكر المساواة في الدولة القائمة، وتبنت مواجهة الصهيونية فكراً وممارسة كجوهر برنامجها السياسي. وعلى الرغم من الحواجز والحدود، فإن من المدهش أن وعياً جديداً أخذ يترسخ بوحدة القضايا الفلسطينية في مواجهة الصهيونية، وصار مطلب أن يتعامل المشروع الوطني الجديد مع جميع الشعب الفلسطيني في فلسطين كلها وفي الشتات مطلباً قوياً يوشك أن يصبح مطلباً فلسطينياً جامعاً، خصوصاً في أوساط الشباب التي وجدت الطرق الجديدة لتخطي الحدود الفيزيائية وخلق فضاءات من الوجود المشترك والعمل المشترك والتجارب المشتركة والمشاريع السياسية والثقافية والفكرية المشتركة.

ويبدو لي أن هذا الاتجاه آخذ في الترسخ، ذلك بأن جميع مكونات الشعب الفلسطيني تستطيع أن تساهم، كل من موقعه، في صوغ المشروع وقيادته والعمل على تحقيقه.
المركب الخامس: هو العودة إلى المقاومة والانتقال بها إلى مراحل جديدة تتماشى مع متطلبات المشروع الجديد، مع التشديد على أن الشعب الفلسطيني لم يتخلَّ عن المقاومة، بمختلف أشكالها، منذ بداية مواجهة المشروع الصهيوني، بل صارت المقاومة، قبل النكبة وبعدها وحتى اليوم، مركباً أساسياً من مركبات هوية الفلسطيني، وهذا أمر طبيعي، إذ إن المقاومة في الحالة الفلسطينية هي التي تزود الفلسطيني بكرامته وإنسانيته، وتقوّي قدرته على الاستمرار، وعلى عدم قبول الدونية والوحشية والظلم، وتشحن القوة التحررية الكامنة.

وليست مصادفة أن البندقية أخذت مكانتها الرمزية في الهوية الفلسطينية، ليس بسبب العنف المتمثل فيها، إنما كرمز للعناد والتضحية وعدم قبول الاستلاب. وليس مصادفة أيضاً اختيار محمود درويش كلماته في قصيدة «مديح الظل العالي»، حين يقول:

«هذه آياتنا فاقرأ باسم الفدائي الذي خلقا من جزمة أفقا». وكي نعلم أهمية المقاومة للهوية الفلسطينية يكفي أن نتخيَّل كيف كانت ستكون الهوية الفلسطينية – والكرامة الفلسطينية – من دونها، فمن دون مركب المقاومة يكون الفلسطيني إنساناً مهزوماً يستدخل الهزيمة ويورثها.

غير أن العودة إلى المقاومة لا تعني بالضرورة العودة إلى البندقية، ولا يبدو لي أن الإجماع على الحاجة إلى العودة إلى المقاومة يشمل إجماعا على أشكالها. ومن نافل القول إن أساليب المقاومة يجب أن تتلاءم مع أهداف المشروع الوطني الجديد واستراتيجياته.

ويجدر بالمشروع الوطني الجديد، أن يراجع أساليب المقاومة التي اتبعتها مشاريع تحرّر من الكولونيالية الاستيطانية، مثل التجربة الجنوب أفريقية مثلاً، ولا يمكن ترك موضوع استراتيجيات المقاومة للعمل الفردي الذي برز بالضبط، بسبب غياب المشروع الوطني.

3 – المرحلة الجديدة

على الرغم من أن المرحلة الجديدة غير المعرّفة بعد ستبدأ ببعض الارتباك والغموض، فإنه من الواضح أنها ستشهد إرهاصات واجتهادات وجهوداً فكرية ونظرية جديدة، وستشهد نشاطات سياسية وتنظيمية أيضاً، وهذا كله سيساهم في تحديد معالمها، لذلك من المهم أن نرى في فترة الانتقال إلى المرحلة الجديدة فرصة للمساهمة في عرض بعض الأفكار، وليس فقط لتحديد الأخطاء السابقة، على الرغم من أهمية ذلك.

وفي هذا الجزء من المقالة سأركز باقتضاب على الجانب الفكري، الذي أرى من الملائم التشديد عليه، وسأقدم بعض المهمات الأولية، التي أعتقد أنه يجدر بالمشروع الجديد مراجعتها.

ربما يكون أهم هذه المهمات، أن يقدم الفلسطيني تصوراً مفهومياً وسياسياً لفكرة فلسطين. لم تعد فلسطين قضية الفلسطينيين فقط، وإن كانوا هم الذي يدفعون ثمن التوحش لمواجهة العنصرية والاقتلاع والتوحش، الصهيوني منذ بدايته، بل أصبحت أيضاً رمزاً وصار نضال الفلسطينيين يمثل نضالاً من أجل العدالة والتحرر، وضد القهر في العالم، كما لم يعد من الممكن أن تتجاوب فكرة فلسطين مع متطلبات الشعب الفلسطيني وحده، وإن كان هذا أساسها.

لقد صارت فكرة فلسطين، شئنا أو أبينا، هي رأس الحربة في مواجهة ما تمثله الصهيونية، مثلما كانت جنوب أفريقيا رأس الحربة في مواجهة القوى الظلامية المتمثلة في الأبارتهايد. ومن مفارقات المرحلة، التي نحن فيها، أنه بينما يلمس الفلسطيني عدالة قضيته بشكل تلقائي، ويعي الحاجة إلى مشروع تحرري بشكل عفوي، وبينما ترى القوى التقدمية في العالم العربي والعالم الثالث والغرب – بما فيها مجموعات شبابية فلسطينية ويهودية – عدالة هذه القضية، وتريد أن تتعاضد مع مشروع تحرر الفلسطيني من النظام الصهيوني، فإننا لم نصل بعد إلى مرحلة صوغ البرنامج التحرري التقدمي، الذي سيجعل من فكرة فلسطين وتحررها قضية مركزية أمام قوى اليسار والقوى التقدمية في العالم كافة. وتقع مسؤولية هذا الصوغ على الفلسطينيين أنفسهم، فعلى الفلسطيني اليوم أن يقدم فكرة فلسطين الجديدة.

الفكرة التحررية

يقول الكاتب إنه كما قدم المؤتمر الوطني الأفريقي في جنوب أفريقيا برنامجاً وطنياً وسياسياً وديمقراطياً تحريرياً يحرر المستعمر من القمع والاستلاب، ويحرر الجميع من نظام الأبارتهايد ولا يقبل التعايش معه، هكذا يتعيَّن على المشروع الوطني الفلسطيني، أن يقدم الفكرة التحررية التي تحرر كل فلسطيني من القمع والاستلاب، ويوفر له الحرية والكرامة والاستقلال، ويحرر الجميع من الصهيونية ولا يتعايش معها.

ويجدر بهذه الفكرة، أن تتجاوب مع جميع مركبات الوعي الجديد التي ذكرتها في الجزء السابق: برنامج طويل المدى (لكن لا يتخلى عن القضايا الآنية)، مواجها للصهيونية، يجمع مركبات الشعب الفلسطيني كله، ويعرف الوطن الجديد بأنه كل فلسطين، ولا يقبل باستمرار الوضع القائم.

والتجاوب مع مركبات الشعب الفلسطيني يعني إنهاء الاحتلال والعودة والمواطنة المتساوية في نظام جديد يستبدل النظام الصهيوني مثلما استبدلت جنوب أفريقيا نظام الأبارتهايد بنظام ديمقراطي.

ومن الواضح أن هذه الفكرة لن تكون فقط مناهضة للصهيونية، وتضع المناهضة كأحد أسسها المركزية، بل ستكون نقيضاً للصهيونية أيضاً.
فعلى سبيل المثال، إذا كانت الصهيونية تعتمد الاستثناء والاستعلاء، والسلب وديمقراطية المستعمر وعدم المساواة، والهوية غير المواطنية، فإنه يجدر بالمشروع الديمقراطي الجديد أن يكون نقيض ذلك، باعتماده المشاركة المتساوية، والديمقراطية الحقيقية، والمواطنة المتساوية، وقيم العدل الاجتماعي، وعدم الاستعلاء، والقوانين والمعاهدات الدولية وغير ذلك.

فكرة فلسطين الجديدة إلى العالم ترتكز على اعتمادها القيم الإنسانية والتحررية، والمجاهرة بهدفها المعلن، وهو تفكيك النظام الكولونيالي الاستيطاني، واستبدال النظام الصهيوني بنظام يضمن الحرية والمساواة والديمقراطية للجميع. وتجدر الإشارة السريعة هنا إلى أن القوى الديمقراطية والتقدمية في «العالم الثالث» ستجد في هذه الفكرة قوة جاذبة، ولا سيما أن القوى الديمقراطية الجديدة في الغرب بدأت تفهم الرواية الفلسطينية على حقيقتها، وشرعت تتكافل وتتعاضد مع الشعب الفلسطيني وقضاياه.

إن الشباب الفلسطيني في الشتات ومناصريه يؤدون دوراً مركزياً في هذا المضمار، لأن هذه الفكرة تتجاوب مع خطوطهم العريضة، فحركة المقاطعة، على سبيل المثال، تشدد على إنهاء الاحتلال والعودة والمواطنة المتساوية التي يجب أن تجتمع كلها في فكرة فلسطين الجديدة. وتتحدث إلى اليهودي الإسرائيلي باللغة نفسها تماماً، وتجد له مكانا في فلسطين الجديدة يكون فيها مواطناً متساوياً يتمتع بالديمقراطية والعدل والمساواة، من دون امتيازات، وليس مستوطناً تكفل له الصهيونية الامتيازات الاستيطانية في كل مكان في فلسطين، وتتوجه إلى الأجيال الشابة في العالم العربي التي تتوق إلى الديمقراطية والعدل والحرية، ولا تتنازل عن جوهر المشروع لمراعاة هذه القوة الإقليمية أو تلك.

فلسطين الجديدة ليست نقيض الظلامية الصهيونية المتوحشة فقط، بل هي أيضاً مناقضة للقوى الظلامية في العالم العربي، التي تشكل مرآة في أكثر من بعد للصهيونية الدينية القومية المتزمتة، وتشكل كذلك تحديا للأنظمة العربية القامعة، لأن فلسطين الجديدة تعتمد الديمقراطية المواطنية الحقيقية.

قوة فلسطين الجديدة، في قوة الفكرة، وطاقة المشروع ستستمد من الطاقة التي ستفجرها الفكرة التحررية الديمقراطية الحقيقية.

لقد حان الوقت أمام الشعب الفلسطيني، بجميع مكوناته وقواه ونخبه، كي يعمل على صوغ الفكرة وصوغ المشروع.

Print Friendly, PDF & Email

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *