الرئيسية » آخر الأخبار » قراءات في الهبة الفلسطينية (1 – 2): فلسطين الجديدة.. تحتاج إلى مشروع وطني

قراءات في الهبة الفلسطينية (1 – 2): فلسطين الجديدة.. تحتاج إلى مشروع وطني

الشعب الفلسطيني أمام مواجهة صعبة
الشعب الفلسطيني أمام مواجهة صعبة

انتهت المرحلة، التي كان من الممكن أن نعتقد فيها، أن قضية الشعب الفلسطيني قابلة للحل عن طريق إقامة دولة فلسطينية في الضفة الغربية (بما فيها القدس الشرقية) وقطاع غزة أو على أجزاء منها.

وفي الواقع، فإن هذا التفكير عكس أهداف المشروع الوطني الفلسطيني، الذي تبلور بالتدريج منذ منتصف السبعينات، وصولاً إلى تمحور هذا المشروع حول إقامة الدولة الفلسطينية المستقلة في الأراضي المحتلة منذ سنة 1967 وعاصمتها القدس، وإلى آخر هذه المقولة التي كررها الخطاب السياسي الفلسطيني حتى الملل، على الرغم من أنها فقدت معناها.

لقد صار واضحا أن هذه الأهداف التي تتضمنها هذه المقولة تآكلت الواحد تلو الآخر: من الإصرار على حق عودة اللاجئين، إلى حدود الدولة، وإلى النقاش بشأن ما هي الأماكن التي يمكن اعتبارها مدينة القدس. وصارت هذه الأهداف بالنسبة إلى الأجيال الجديدة أشبه بالكليشيهات التي فقدت معانيها.

وبذلك، فإن فقدان المشروع الوطني الفلسطيني لأهدافه المحددة، وفقدانه استراتيجيات للوصول إلى هذه الأهداف ـ الكليشيهات، ساهما في انتهاء هذه المرحلة.

الأهداف العامة

وبطبيعة الحال، تبقى الأهداف العامة موجودة، كحق تقرير المصير، والتحرر من الاحتلال وما إليه، وهذه أهداف أصبحت عامة بشكل كبير، ما لم يتم تعريفها ضمن مشروع جديد، ورسم الاستراتيجيات للوصول إليها.

ومن مميزات المرحلة المنتهية، الاعتقاد بأن احتلال إسرائيل الأراضي الفلسطينية منذ سنة 1967، هو احتلال موقت سيفاوض الإسرائيليون على إنهائه، وفق معادلات مقبولة عربياً أو فلسطينياً. وعمل على تكريس هذا الاعتقاد اتفاق أوسلو، وما أفرزه من صيرورات، مثل المفاوضات عديمة الجدوى، والنخب التي اعتقدت أنها على مرمى جولة أخرى من المفاوضات لتلامس الدولة.

وليس من قبيل المصادفة أن الوعي الجديد الذي يشكك في انتهاء الاحتلال قريباً استغرق أكثر من جيلين بقليل كي ينشأ، وهو الوقت نفسه الذي احتاج إليه الفلسطينيون في مناطق 48 للوصول ـ عبر عملية مشابهة، وبعد أعوام قليلة من اتفاق أوسلو ـ إلى إدراك أن مكانتهم كمواطنين داخل إسرائيل لم تعد مؤقتة في ضوء هذا الاتفاق، وأن المفاوضة لن تتم بين إسرائيل والفلسطينيين على مستقبلهم الجماعي.

وفي حالة الفلسطينيين في مناطق 48، ظهرت قوى فكرية وسياسية وحزبية جديدة، بعد أوسلو، ساهمت في إنتاج الوعي الجديد، بأن مواطنتهم هي في الواقع مواطنة كولونيالية، وأن الصهيونية تسعى ليس فقط لاستلاب أرضهم، بل لجعلهم أيضاً سكاناً في وطن الشعب اليهودي وصوغهم كمجموعة بلا هوية وبلا وطن وهم في وطنهم مقيمون، وأن مشروعهم الذي سبق الوعي الجديد ـ وهو مشروع المساواة في الدولة القائمة، ما هو إلا سراب. وساهمت القوى الجديدة في ترسيخ الوعي، بأن ما هم بصدده ليس أقل من معركة مع الصهيونية وجوهرها، لا مع سياسات تمييزية في إسرائيل، وأن البراديغمات السياسية والفكرية، التي وضعت إنجاز المساواة في الدولة القائمة نصب أعينها أخطأت في التشخيص وفي أدوات العمل السياسي.

غير أن طبيعة التغيير السياسي البراديغماتي لا تُنجز دائما بانقلاب فكري حاد، إنما بدخول منظومة فكرية جديدة تعرض فهماً جديداً للواقع، وتعرض للمستقبل يتحدى الفكر القائم نفسه.
وفي حالة فلسطينيي 48، فإن بعض القوى الحزبية والفكرية القديمة لا يزال يلهث وراء سراب المساواة في الدولة القائمة، ويتنافس في سوق العمل الحزبي والفكري مع الأطروحة الجديدة القائلة إن الصراع هو مع الصهيونية وجوهرها، ومع النظام الكولونيايل بأجمله.

انحسار المرحلة الحالية

وبشكل مشابه، فإنه مع انحسار المرحلة الحالية من الفكر الفلسطيني إزاء الدولة، ستبقى القوى السياسية والاقتصادية الحاملة لفكر هذه المرحلة، على الساحة، وستتنافس مع فكر المرحلة الجديدة الذي لم يتبلور بعد.

فمن طبيعة عملية التغيير، بقاء القديم والجديد في وقت واحد في فترة انتقالية، قبل أن يتبلور مشروع جديد بديل يستقطب القوى الاجتماعية والسياسية الفاعلة، ويجند قوى جديدة.

وإذا كان من الممكن في المرحلة، التي انتهت، منح الثقة أو بعضا منها للقيادات الفلسطينية، التي عملت على تحقيق أهداف المشروع الوطني بقيام الدولة، فإن الوعي الجديد العميق والمنتشر بين أجيال الشباب بصورة خاصة، وقوى سياسية فكرية كثيرة، يرى أن تلك القيادات وصلت إلى نهاية طريقها، وأنها لا تمتلك استراتيجيا غير استراتيجيا التمسك بالطريق، الذي يراه معظم الشعب الفلسطيني طريقاً عبثيا.

وتدور الشكوك حول قدرة القيادات والنخب السياسية الحالية على رسم طريق جديد، فالقيادات الحالية تبدو كمن دُفع، أو كمن أوقع نفسه في شرك لا مخرج منه، لا إلى الخلف، كما يدعو البعض، مثلاً، بحل السلطة الفلسطينية، ولا إلى الأمام بالمساهمة في تطوير وعي وعمل سياسي جديد يستطيع أن يتعامل مع التوحش الكولونيالي، الذي يراه الفلسطيني حوله، أو أن يشير إلى المستقبل أو حتى إلى تقديم تصوّر له، حتى لو كان نظرياً.

ومن هذا المكان الشّرك، تفتقد القيادة القدرة النظرية على استحداث سياسات جديدة، وعلى تبني سياسات مقاومة وعمل سياسي يهدف إلى الوصول إلى المستقبل. وتهرب السلطة إلى الكليشيهات، وإلى استراتيجيا الصبر والانتظار – انتظار ما لا نعلم، وإلى تهديدات فارغة أحياناً، يصل أشدها إلى حد استعمال الحق الأولى في التوجه إلى الدوائر الدولية.

ولا بد هنا من كلمة على القيادات الفلسطينية والنخب السياسية والفكرية ودورها فيما نحن فيه. فمن السهل أن نحمّل القيادت الفلسطينية مسؤولية فشل المشروع الوطني الفلسطيني في تحقيق أهدافه، وفشل الاستراتيجيات المتعددة حتى الآن، وانعدام القدرة على تصور مشروع جديد.

وإذا كان في هذا بعض الحق، فإن إلقاء المسؤولية على القيادات وحدها، فيه كثير من الإجحاف، ونوع من تجنب نقد الذات، إذ يجب أن نشمل في هذا النقد الطبقة السياسية والنخب الفكرية والأكاديمية عامة. ويتعيَّن على عملية النقد هذه أيضا، أن تأخذ في الحسبان ما واجهته القيادات الفلسطينية بصورة عامة.
لقد وجد الشعب الفلسطيني وقياداته أنفسهم أمام مشروع ربما يكون الانتصار عليه أصعب مما اعتقدنا سابقا.

قد تكون القيادات أخطأت في فهم وعرض المشروع الصهيوني – مثلا، منذ البرنامج الدولاتي الذي بدأ في السبعينات، أو في قرارات استراتيجية، مثل الموقف من احتلال الكويت – لكن علينا أن نتذكر دائماً، أن الشعب الفلسطيني وقياداته قدموا تضحيات بطولية نادرة، وخصوصا في الشتات، وفي المناطق المحتلة منذ سنة 1967، وبشكل مختلف تماما في مناطق 48. غير أن هذه التضحيات والبطولات لم تكن لتكون ممكنة في مرحلة ما بعد بدء النكبة، من دون قيادات ملتزمة، ربما تكون ارتكبت أخطاء في سياق العملية النضالية، كما أن ما واجهه الشعب الفلسطيني وقياداته لم يكن سهلاً، لا عربياً ولا دوليا، ولا من ناحية طبيعة المشروع الصهيوني.

«العودة والتحرير»

فعلى سبيل المثال، ما بدأه الشعب الفلسطيني في مشروع «العودة والتحرير» بعد قيام منظمة التحرير، لم يعد ممكنا الاستمرار فيه بسهولة بعد سنة 1973، وما أعقبها من اتفاقيات عربية ــ إسرائيلية، وبعد طرح المبادرات العربية والدولية للوصول إلى سلام بين الدول العربية وإسرائيل.

وما بدأ في عام 1974 في برنامج «النقاط العشر» والجنوح نحو الدولة، كان طريقة القيادات للتعامل مع الأوضاع العربية والدولية المعقدة، ولم يكن هدفه التخلي عن فلسطين، وإن كان كثيرون يعتقدون أن هذا المنحى كان خطأ من الناحية التحليلية والسياسية أدى بالضرورة إلى تجزئة الشعب الفلسطيني والوطن الفلسطيني.
من الأسهل أحيانا، أن نطبق فهمنا لواقع اليوم على مراحل سابقة، من دون الأخذ في الحسبان الأوضاع التاريخية الحرجة، والتجربة السياسية المنهكة مع الصهيونية، ومع العالم الغربي وموقفه من المسألة اليهودية ومن مواقف الدول العربية ومصالحها.

وما يواجه الشعب الفلسطيني اليوم، أصعب مما واجهه في السابق، ليس فقط بسبب الظروف العربية والدولية، بل أيضا لفقدان الفكرة – فكرة المشروع الوطني، لذلك يتحتم على الأجيال الجديدة والنخب الفكرية والسياسية الاستفادة، على الأقل، من التنبه لصعوبة المواجهة، وطول مداها، والاستعداد لذلك، والعمل على بلورة الفكرة وتحويلها إلى مشروع وطني جديد ما زلنا في بداية الطريق نحو صوغه.

Print Friendly, PDF & Email

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *