الرئيسية » آخر الأخبار » حين تُستباح الأموال العامة.. كيف يمكن الحديث عن «الترشيد»؟

حين تُستباح الأموال العامة.. كيف يمكن الحديث عن «الترشيد»؟

جابر المبارك
جابر المبارك

محمد الغربللي:
هي عدة حكايات تشكل صورة يمكن من خلالها قراءة العديد من الوقائع التي نعيشها أو تعيش حولنا، ولا يتم الحديث عنها.. الصورة الأولى، ما تناقلته وكالات الأنباء ونشرته صحيفة الراي في عددها الصادر يوم 18 الجاري، عن زيارة النائب العام السويسري ميشل لوبيز إلى مصر، حيث تحدَّث في مؤتمر صحافي عن الأموال المصرية المودعة في البنوك السويسرية، موضحا أن «القضاء السويسري يواصل التحقيق في أموال مودعة من أقارب الرئيس السابق حسني مبارك في حسابات مصر، وأن التحقيق القضائي يهدف إلى معرفة ما إذا كانت تلك الأموال، وقيمتها 53 مليون يورو، مصدرها تبييض أموال أو أنشطة إجرامية، وأن النيابة السويسرية تدقق في حسابات 14 شخصاً منذ عام 2011».

بالطبع، هذا جزء قد يكون يسيراً بالنسبة للأموال المهرَّبة للخارج من قِبل أزلام النظام المصري السابق في بلد واحد هو سويسرا، ولا يُعرف بعد حجم الأموال في بنوك دولة أوروبية أخرى، وهي أموال نقدية في حسابات مصرفية، ولا تشمل الشركات التي تساهم فيها، أو العقارات بأسماء بعيدة عن الرسميين، وهذا أمر آخر.

الحال في مصر

طوال ثلاثين عاماً كانت أغلبية الشعب المصري تشكو الحرمان وشظف العيش وتردي الخدمات والمعيشة الإسكانية السيئة، في الوقت الذي كانت فيه أطراف في السلطة، وعلى رأسها الرئاسة المصرية السابقة، تحوّل الأموال التي جنتها إلى الخارج، بدلاً من الاهتمام بقضايا وميعشة الشعب، مع فرض أجواء بوليسية وقهرية، لإسكات وإخماد أي صوت يطالب بحريته وكرامته وبالعيش الكريم قبل 25 يناير.. وكم من المشاهد المتكررة في شوارع القاهرة عندما يُسد أحدها لفترة زمنية طويلة مع تكدُّس أرتال وطوابير المركبات بالكيلومترات، من أجل مرور موكب الرئيس أو زوجته أو أحد أبنائه، في الوقت الذي يسرقون فيه أموال الشعب، باستغلال نفوذهم ومراكزهم.

الوضع في تونس

صورة أخرى تناقلتها وكالات الأنباء العالمية، بعد مغادرة الرئيس التونسي السابق زين العابدين بن علي، بصورة مفاجئة يوم الجمعة 14 يناير 2011، وقبلها بثلاثة أيام كانت الدوائر الأمنية الفرنسية تسعى إلى تقديم المساندة الأمنية له في أثناء ما سمي بالاضطرابات التي مرَّت بها البلاد، ولم يخطر على بال أحد هذه المغادرة والهروب المفاجئ للرئيس الذي كان يرغب بالتوجه إلى فرنسا، التي أغلقت الأبواب في وجهه، بعد التأكد من وقوعه.
بعدها نقل التلفزيون التونسي صوراً للخزينة الموجودة في قصره، والموجودة خلف لوحة تزين حائط القصر بشكل سري، وفي داخلها ملايين من العملات المختلفة نقداً.. ملايين من الدولارات واليورو المكدَّسة في قصره.

هنا لا نتحدث عن الحسابات المصرفية، بل النقدية، التي كان يعتبرها نثريات بمتناول يديه ويصرف منها متى شاء.

وأيضا كان نظام بن علي بوليسيا بامتياز، سواء بعدد رجال الشرطة، الذي يفوق مائة ألف رجل، خلاف رجاله في الاستخبارات والمرشدين المنتشرين في كل مؤسسات الدولة.. فالرئيس لديه الخبرة والدراية بذلك، كونه كان وزيراً للداخلية، ويعرف من أين تسمع الأخبار وكيف، وأي معارضة موجودة في حكمه.

الوزراء في النرويج

صورة ثالثة تناقلتها وسائل التواصل الاجتماعي، نقلاً عن المحطة التلفزيونية الفرنسية الثانية، في تحقيق لها عن الوزراء في النرويج.. المشهد الأول كان لوزير العدل وزير الداخلية كينيت (42 عاماً) وهو في مكتبه الوزراي البسيط الذي شغله منذ سنين ولم يغير فيه أي شيء من الأثاث، وتضم وزارته 20 ألف موظف تحت إدارته، الساعة الثالثة عصراً يترك المكتب منفرداً، ويستقل إحدى السيارات المخصصة للوزراء من دون موكب أو صافرات، متوجها لاصطحاب أبنائه من المدرسة عائداً إلى بيته، كأي شخص عادي.

المشهد الثاني لقاضية فرنسية نرويجية ذات منصب مهم، وهي تغادر مكتبها، متوجهة أيضا سيراً على الأقدام إلى قطار الركاب، للعودة إلى منزلها، وفي مرة ارتكبت مخالفة باستخدام سيارة تاكسي لتنقلها وكانت فضيحة تناولتها الصحافة النرويجية، ما اضطرها إلى خصم مبلغ التاكسي من جيبها الخاص.

وتذكر في المقابلة التلفزيونية تلك، أن هناك قيمة اجتماعية كبيرة لعدم استغلال المال العام بأي صورة من الصور، حتى لو كان مبلغا زهيدا ممثلا بأجرة تاكسي.
أما المشهد الثالث في التحقيق، فهو لوزير الخارجية النرويجي، الذي ينتقل في زيارة رسمية له بالقطار، حاله كحال الناس، من دون حراسة أو «بودي غارد»، لحضور مناسبة رسمية في إحدى المدن النرويجية، ويذكر الوزير أنه يتقاضى بدل سفر 50 يورو للأكل و120 للسكن في الزيارات الرسمية، وأي مبالغ تزيد على ذلك يتحملها من جيبه الخاص.

مقارنة أوروبية

تحقيق المحطة الفرنسية لم يتم إعداده كمقارنة بين الوزراء النرويجيين ووزراء العالم الثالث أو العالم العربي، فنحن في غاية البُعد عن مثل تلك السلوكيات تماماً، كبعد الثرى عن الثريا، بل لمقارنتهم بالوزراء الأوروبيين عامة والفرنسيين بشكل خاص، ولاسيما أن هناك فضائح مالية طالت العديد من رجال السياسة في فرنسا، ولاتزال العديد من الشبهات تدور حول بعضهم.

بقي أن نعرف لاستكمال الصورة، أن النرويح تحتل المركز الأول عالميا في قيمة الصندوق السيادي، حيث بلغت موجوداته في آخر إحصائية 863 ميار دولار.
كما تشير الدراسات إلى أن الصندوق سيملك تريليون دولار بعد ثلاث سنوات.

أوجه الصرف

عندما نستكمل الصور الثلاث تلك ستكون اللوحة أكثر وضوحاً، في ظل الحديث المتكرر عن تقليص الدعم، أو زيادة أسعار البنزين، وغيرها من الخطوات التي يُقال عنها «ترشيدية» في الإنفاق، في ظل الصرف والتبذير في عدة جهات مختلفة بالدولة، وهنا لا نتحدث عن حالات الفساد المتكررة التي أصبحت أمراً مألوفاً لا خجل منه أو مداراة، بل عن أوجه الصرف المتعددة.. ففي ظل حديث الترشيد، لا نفهم أن تُرصد مبالغ لإجازات رجال الأمن، ويصرف لهم عند انتهاء الخدمة ما محصله ألف يوم كرصيد إجازة!

لا نفهم أن يتم إلغاء التعاقد لتأجير سيارات كبار المسؤولين الإداريين، وتعويضهم كبدل عنها مبلغا مقطوعا بواقع 250 ديناراً شهرياً.. لا نفهم سكوت وزارة الأشغال العامة عن مبالغ التعويض عن تأخير المشاريع، من دون احتساب، كما ورد في تقارير ديوان المحاسبة وهي بالملايين.

لا نفهم عمليات التنفيع في الحيازات الزراعية التي مُنحت كترضيات للبعض، وقد تطرقنا للحديث عنها.. لا نفهم الصمت عن سرقة أموال التأمينات الاجتماعية، على الرغم من تقدم أحد أهل بيت المؤسسة وعضو مجلس إدارة بتقديم بلاغ للنيابة العامة وسكوت الجميع عما حلَّ بها، حتى طارت الطيور بأرزاقها وولَّت هاربة.
لا نفهم تلك السفرات في طائرات رسمية، لقضاء إجازات خاصة.. كثيرة هي القصص والقضايا غير المفهومة التي تُظهر العديد من أوجه الصرف والتبذيز وكسب الولاء وحالات الفساد الصارخة.

عندما يتم التعامل مع الأموال العامة كقيمة عالية لا يمكن التفريط بها، هنا تستطيعون فرض ضرائب أو تخفيض الدعومات التي يتلقاها المواطن بكل رحابة صدر وتأقلم.. أما بهذا الوضع السائد والمتواصل في الوقت ذاته، فهو أمر يصعب تقبله.

Print Friendly, PDF & Email

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *